وفجأة، راجل في أواخر الستينات خرج من وسط الناس، وكان شايل صندوق خشب صغير. قرب من أبويا وقال يا عم إريك، إحنا جاهزين زي كل سبت. المفتش رفع راسه بسرعة. زي كل سبت؟ يعني التجمع ده بيحصل هنا بانتظام؟ الراجل ابتسم وقال من سنين يا حضرة المفتش. وبعدين فتح صندوق الخشب، وطلع منه دفتر كبير، غلافه بني وقديم، وحطه على ترابيزة خشبية صغيرة كانت موجودة جنب مخزن الأدوات.
أبويا بص للدفتر بحنان، كأنه بيبص على صورة حد غالي عليه. مد إيده وفتح أول صفحة. كانت الصفحات مليانة أسماء وتواريخ وكميات مكتوبة بخطوط مختلفة، وفي آخر كل سطر توقيع صغير. المفتش قرب منه وسأله إيه الدفتر ده؟ أبويا رد بهدوء ده سجل التوزيع يا حضرة المفتش. توزيع إيه؟ أبويا أشار بإيده لصفوف الخضار وقال المحصول اللي الناس دي بتيجي تاخده كل أسبوع. المفتش بدأ يقلب الصفحات، وكل ما يقلب صفحة، تعبير وشه يتغير.
كان فيه أسماء عائلات، وكميات خضار، وملاحظات عن احتياجات كل بيت. جنب بعض الأسماء مكتوب أسرة فيها أطفال، ورجل كبير عايش لوحده، وبيت فيه مريض ومفيش حد بيشتغل. لكن اللي لفت نظري أكتر إن فيه أسماء متكررة من سنين طويلة، وبعض التواريخ راجعة لأكتر من عشرين سنة! بصيت لأبويا وقلت إنت بتعمل كل ده من إمتى؟! أبويا ما ردش عليّا، لكنه نادى على شاب كان بينزل صناديق من عربية نقل صغيرة.
يا سام، ورّي المفتش الورق اللي جبتُه معاك. سام طلع ملف أزرق، وبدأ يوزع منه أوراق على المفتش. كانت الأوراق عبارة عن خطابات شكر، وإيصالات تبرعات، وقوائم من جمعيات محلية، وكلها بتتكلم عن الخضار اللي بيتوزع على العائلات المحتاجة. المفتش وقف عن تقليب الورق، وبص لأبويا باستغراب. يعني إنت مش بتزرع للاستخدام الشخصي؟ أبويا هز راسه. أنا بزرع عشان الناس تاكل.
واللي عنده فلوس مش محتاج ياخد حاجة، واللي مش قادر يدفع، بياخد اللي يكفي بيته من غير ما يسأله حد عن ظروفه. وبعدين أضاف وهو بيبص للناس اللي بدأت تجمع الخضار في سلالها أنا ما بحبش حد يقف على باب حد ويطلب منه الأكل. هنا الناس بتيجي تاخد حقها في الكرامة قبل ما تاخد الخضار. للحظة، محدش اتكلم. حتى برنت، اللي كان واقف بعيد شوية، ما قدرش يخفي توتره.
لكن فجأة، هيلين تقدمت ناحية المفتش وقالت حضرتك، أنا عندي حاجة لازم تشوفها قبل ما تصدر أي قرار بخصوص الأرض دي. برنت لف ناحيتها بسرعة. هيلين، إوعي تدخلي نفسك في الموضوع ده! هي بصت له بثبات وردت أنا سكتّ سنين طويلة، وكنت فاكرة إن السكوت هيخلّيني أرتاح. بس لما شفتك بتحاول تحرم الناس دي من المكان الوحيد اللي بيقدروا ياخدوا منه أكل من غير إحراج، عرفت إن السكوت بقى غلط.
وبعدين فتحت شنطتها وطلعت ظرف أبيض قديم، أطرافه مصفرة من الزمن. ناولته للمفتش. الورق ده يخص الأرض اللي جنب جنينة عم إريك. وفيه حاجة لازم تتراجع قبل ما أي حد يطلب منه يشيل زرعة واحدة. برنت اتقدم خطوة، ومد إيده ناحية الظرف. لكن المفتش رفع إيده ومنعه، وقال بحزم محدش هيلمس الورق. هراجعه بنفسي. وبينما المفتش بدأ يفتح الظرف، أبويا وقف بعيد عنهم، وسند إيده على سور الجنينة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.