أبويا اللي عنده 79 سنة، ادّوله مهلة 30 يوم بس عشان يدمّر جنينة الخضار اللي قضى عشرات السنين وهو بيزرعها ويهتم بيها، وكل ده عشان جارنا الجديد الغني اشتكى إنها بتشوّه المنظر من بيته وبتبوّظ عليه الإطلالة اللي دافع فيها فلوس كتير! أنا اټجننت من الڠضب، وكنت خلاص هعيّن محامي وأرفع قضية. لكن أبويا اكتفى إنه يصافح مفتش الحي، ويطلب منه طلب غريب محدش فينا فهم مغزاه.
قاله بهدوء لو سمحت، ارجع يوم السبت الساعة ستة الصبح. محدش فينا فهم هو ليه طلب منه كده! جواب التحذير وصل يوم التلات. كان أبويا قاعد على ترابيزة المطبخ، ونضارته بتاعة القراية نازلة على طرف مناخيره، ولما شافني مدّ إيده وناولني الجواب من غير ما يقول أي حاجة. الجواب كان بيقول إن المحافظة بتعتبر الأرض بتاعته مستخدمة في نشاط زراعي غير مسموح بيه داخل منطقة سكنية. بصيت في الورقة وأنا مش مصدق اللي بقراه!
جنينة أبويا كانت واخدة مساحة تقرب من نص فدان، في أرض ملك عيلتنا من أجيال طويلة. كان فيها تسع صفوف مترتبة بعناية من الفاصوليا الخضرا، و شتلة طماطم، وأحواض طويلة مليانة بطاطس وكوسة وبصل وبنجر. كل يوم الصبح، كان أبويا بينزل يشتغل وسط الزرع قبل ما أغلب الناس تصحى من النوم. ومع إنه كان عايش لوحده، وأكله قليل جدًا، إلا إنه كان بيزرع كميات تكفي حي كامل!
في مرة سألته إنت ليه بتزرع كل الخضار ده يا بابا؟ إنت محتاج كل الكمية دي تعمل بيها إيه؟ بصلي ورد بكلمة واحدة الناس. وبس. عمره ما قال أي حاجة تانية، وأنا ما ضغطتش عليه في السؤال. المشكلة بدأت لما جارنا برنت سكن في البيت اللي جنبنا. كان اشترى أرض عيلة سوينسون القديمة في الربيع اللي فات، وهدم البيت الريفي الأصلي اللي كان موجود عليها، وبنى مكانه بيت رمادي ضخم جدًا.
البيت كان فيه تراس مرتفع بيطل مباشرة على جنينة أبويا. وكل ما أروح أزور أبويا، كنت بشوف برنت واقف على التراس، ماسك فنجان القهوة الصبح، وباصص بغيظ على عيدان الذرة الطويلة اللي كانت حاجبة جزء من المنظر الفخم اللي بيدفع فيه كل الفلوس دي. واضح إن حتى منظر الخضار كان مضايقه! يوم الخميس، مفتش من المحافظة وصل البيت.
كان شاب صغير، ماسك ملف وأوراق، وطريقته كانت فيها اعتذار واضح، كأنه هو نفسه مش مرتاح للي بيعمله. قال لأبويا أستاذ ليندكفيست، أنا آسف، بس وصلتنا شكوى رسمية، ولازم أنفّذ اشتراطات تقسيم المناطق. بصيت له وأنا مش مصدق، وسألته يعني إنتوا فعلًا بتأمروا أبويا إنه يشيل الجنينة؟! رد عليّا قدامكم 30 يوم عشان توفّقوا وضع الأرض مع اللوائح المطلوبة. 30 يوم! حسيت إن وشي سخن من شدة الڠضب.
أبويا عنده 79 سنة، والجنينة دي كانت الحاجة اللي بتديله سبب يصحى كل يوم ويعيش، خصوصًا بعد ۏفاة أمي. ودلوقتي واحد غريب لسه ناقل السكن جنبنا من أقل من سنة، قرر إنه عايز يدمّر كل ده عشان منظر بيته! كنت بالفعل كاتب رقم تليفون محامي متخصص في قضايا الأراضي، ومستعد أواجه المحافظة وأدخل في خناقة مع برنت بنفسي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.