هزّيت راسي. ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت اسم ميلر مش هو الاسم اللي كان مكتوب على أوراق البيت أول مرة اتبنى فيها. حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. أمال كان اسمه إيه؟ فتحت شنطتها الصغيرة، وطلعت منها ظرف بني قديم، أطرافه مصفرة ومهترئة، ومقفول بخيط رفيع. حطته على ترابيزة المطبخ، لكن قبل ما تسيبه، فضلت حاطة إيدها عليه.
الظرف ده معايا من سنة 1974. أبوكِ... أقصد، أبو نيت، عمره ما شافه. ورونالد حاول سنين طويلة يعرف مكانه، لكنه ما قدرش. بصّيت للظرف، وبعدها بصّيت لها. وإيه اللي جواه؟ قالت نسخة من عقد ملكية قديم، وخطاب كتبه صاحب البيت الأصلي قبل ما يختفي من حياة العيلة. اتجمدت عند كلمة يختفي. يختفي إزاي؟ مات؟ ردّت وهي بتبص ناحية الشباك دي بالضبط الحكاية اللي كل واحد في عيلتنا بيحكيها بشكل مختلف.
وبعدين أخيرًا سابت الظرف من إيدها، ودفعته ناحيتي. افتحيه يا إيميلي. فتحت الخيط بحذر، وطلعت ورقتين قديمتين. الأولى كانت نسخة من عقد ملكية، أما التانية فكانت خطابًا مكتوبًا بخط إيد مرتعش. في أول الخطاب، كان فيه اسم واضح توماس ميلر. لكن تحت الاسم مباشرة، كانت فيه جملة مكتوبة بالحبر الأحمر، ومتسطّر تحتها مرتين البيت ده مش هيرجع لأصحابه الحقيقيين غير لما يظهر الدليل اللي خبّيته في المكان الوحيد اللي محدش هيفكر يدور فيه.
قلّبت الورقة، أدور على أي تفسير، لكن ملقتش غير توقيع وتاريخ قديم. سألت أوبال هو كان مخبّي إيه؟ وراح فين؟ ردّت مش عارفة يا بنتي. لكن عندي سبب قوي يخليني أصدق إن الدليل لسه موجود جوه البيت ده. بصّيت حواليا. المطبخ كان محتاج شغل كتير، والجدران عليها آثار رطوبة، والأرضية الخشبية كانت بتصرّ كل ما حد يتحرك. كل ده كنا فاكرينه مجرد آثار سنين من الإهمال.
لكن فجأة، كل تفصيلة في البيت بقت تثير الشك. أوبال قربت مني وهمست فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. لما اتعملت التسوية القديمة بين أفراد العيلة، كان فيه اتفاق إن البيت ما يتباعش أبدًا لحد غريب. ولو حصل واتعرض للبيع، يبقى فيه حد أخفى ورق مهم، أو حد قرر يتخلص من دليل كان ممكن يغيّر كل حاجة. قلتلها بس إزاي العقار اتعرض في مزاد رسمي بسبب الضرائب؟
ردّت بحدة ده السؤال اللي لازم تسأليه، لكن مش لرونالد دلوقتي. قبل ما أقدر أرد، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت. أوبال بصّت من الشباك، ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها. همست يا نهار أبيض... ده رونالد! لمحت عربية ابنها واقفة قدام المدخل، وبعد ثوانٍ اتفتح بابها. أوبال لمّت الأوراق بسرعة، ودفعتهم في إيدي. خديهم وخبّيهم. ومهما حصل، ما تخليش حد ياخدهم منك.
سمعت خطوات على الشرفة، وبعدها صوت المفتاح وهو بيلف في الباب. دخل رونالد، ووقف أول ما شاف أمه واقفة في المطبخ. بصّ لها، وبعدين بصّ لي، وبعدها عينه وقعت على الظرف البني اللي كنت بحاول أخبيه ورا ضهري. وشه اتغيّر في لحظة. وقال بصوت غاضب أمي... إنتِ عملتي إيه؟! أوبال رفعت دقنها وردّت بهدوء الحاجة اللي كان لازم أعملها من زمان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.