منح والدي

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

ثم همست بصوت مرتجف إيميلي... ألم يخبرك أحد في هذه العائلة قط مَن كان يملك هذا المنزل في الماضي؟. تجمّدت في مكاني. لم أكن أعرف ماذا أقول. لكن الطريقة التي كانت تنظر بها أوبال إلى ذلك الإطار الخشبي جعلتني أشعر بأننا لم نشترِ مجرد منزل مهجور في مزاد. كان هناك سرّ قديم مدفون بين جدرانه... حكايات ميدو سرّ قد يقلب كل ما أعرفه عن عائلة زوجي رأسًا على عقب.

بصّيت لأوبال وأنا حاسة إن في حاجة كبيرة مستخبية ورا دموعها، حاجة العيلة كلها قررت تدفــ,,ـــــنها من سنين. سحبت كرسي المطبخ وقعدت عليه ببطء، لكنها فضلت واقفة قدام خزانة المؤن، وإيديها بتترعش وهي بتلمس الإطار الخشبي القديم. قالتلي بصوت واطي إيميلي، عايزاكي تجاوبيني على سؤال واحد بس... إنتِ اشتريتي البيت ده بكام؟ قلتلها واحد وأربعين ألف وخمسمية دولار يا أوبال.

كان مزاد بسبب الضرائب المتأخرة، والبيت بقاله ست سنين مهجور. غمضت عينيها، ونزلت دمعة جديدة على خدها. ست سنين؟! معقول سابوه كل المدة دي؟ استغربت من رد فعلها. إنتِ تعرفي البيت ده يا أوبال؟ رفعت عينيها ليا، وكانت نظرتها مختلفة تمامًا عن أي مرة شفتها فيها. أنا ما أعرفش البيت ده وبس يا بنتي... أنا أعرف كل طوبة فيه. حسيت بقشعريرة في جسمي.

بصّت ناحية باب المطبخ، وبعدها رجعت تبصلي، وكأنها بتتأكد إن مفيش حد بيسمعنا. اقفلي الباب يا إيميلي. قفلت الباب، ورجعت وقفت جنبها. مدّت إيدها ناحية خزانة المؤن، وأشارت لمكان صغير تحت الإطار الخشبي. شايفة العلامة دي؟ قربت وركّزت نظري. كان فيه خط رفيع محفور في الخشب، شبه حرف صغير، وفوقه رقم بالكاد باين. قلتلها أيوه، بس أنا افتكرت إنه أثر قديم. هزّت راسها. لأ. العلامة دي أنا اللي عملتها بإيدي من أكتر من خمسين سنة.

اتسعت عينيّ. أوبال كانت بتتكلم وكأنها رجعت فجأة لزمن بعيد، زمن ما كنتش أعرف عنه أي حاجة. سألتها يعني إيه؟ البيت ده كان بتاعكم؟ ردّت بعد صمت طويل قبل ما رونالد يبقى راجل كبير، وقبل ما نيت يتولد بسنين، البيت ده كان ملك عيلتنا. لكن مش بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها. وبعدين مسكت إيدي بقوة غير متوقعة من ست في سنها. اسمعيني كويس يا إيميلي.

لما ترجعي البيت، ما تقوليش لرونالد إنك جيتي هنا معايا. وما تسأليش جوزك عن أي حاجة دلوقتي. اتوترت من كلامها. بس ليه؟ نيت جوزي، ومن حقي أعرف إيه اللي بيحصل! ردّت بسرعة وعشان هو جوزك، لازم تعرفي الحقيقة قبل ما حد تاني يحاول يكتبها لك على مزاجه. سكتت لحظة، وبعدين أضافت إنتِ فاكرة إنك اشتريتي بيت عيلة ميلر، صح؟

هزّيت راسي. ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت اسم ميلر مش هو الاسم اللي كان مكتوب على أوراق البيت أول مرة اتبنى فيها. حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. أمال كان اسمه إيه؟ فتحت شنطتها الصغيرة، وطلعت منها ظرف بني قديم، أطرافه مصفرة ومهترئة، ومقفول بخيط رفيع. حطته على ترابيزة المطبخ، لكن قبل ما تسيبه، فضلت حاطة إيدها عليه.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة