أما عمتي سعاد، فكانت قد طلبت منها بيع جزء من أرض صغيرة ورثتها عن أهلها عشان تنقذ مشروع جوزها من الإفلاس. جدتي ساعدتهم كلهم. ما فضحتش حد. ما وقفتش يومًا قدام باقي إخواتهم وقالت إن واحد فيهم استغلها. لكنها احتفظت بالأوراق. مش عشان تنتقم. عشان لو جه يوم واتهموها إنها ما ساعدتش حد، تقدر تفتكر الحقيقة. عمتي سعاد بدأت تبكي وتقول أنا كنت هرجعلك الفلوس يا ماما، والله كنت ناوية أرجعها.
جدتي بصتلها بحزن. أنا ما فتحتش الموضوع ده عشان الفلوس يا سعاد. أنا عمري ما استنيت منك فلوس. أنا كنت مستنية بس تيجي تقعدي معايا ساعة من غير ما تبصي في الساعة كل شوية عشان تمشي. الجملة دي كانت أقسى من أي مستند. لأنها كانت الحقيقة اللي ما حدش يقدر ينكرها. لكن خالي محمود ما استسلمش. قام من مكانه، وشاور على الأوراق وقال حتى لو كل ده حصل، ده ماضي!
ما ينفعش تستخدموا حاجات قديمة عشان تحرمونا من حقنا. وقتها، جدتي رفعت عينيها ليه وقالت مين قال إني هحرمكم من حقكم؟ كلنا بصينا لها. ابتسمت ابتسامة حزينة، ثم أشارت إلى العلبة. لسه ما شفتوش أهم حاجة. المفاجأة التالتة ليه جدتي اختارتني أنا؟ مدت جدتي إيدها، وطلعت من جيب فستانها مفتاحًا صغيرًا. حطته قدامي. وقالت افتحي الصندوق الصغير اللي تحت الورق. ما كنتش واخدة بالي إن فيه درجًا مخفيًا جوه العلبة الكبيرة.
فتحت الدرج بالمفتاح، ولقيت جواه فلاشة صغيرة، وصورة لجدتي مع جدي قدام البيت، وخطاب مختوم من محامية. خالي محمود مد إيده تاني، لكن المرة دي جدتي نفسها زعقت فيه قلتلك ما تلمسش حاجة! اتراجع في مكانه. أنا طلعت الخطاب وبدأت أقرأ. كان عبارة عن إفادة من المحامية بتقول إن جدتي عملت توكيلات وإجراءات قانونية لتنظيم شؤون البيت ومدخراتها، وإن فيه مستندات إضافية بتحدد رغبتها في استخدام جزء من أموالها لرعاية نفسها وتأمين احتياجاتها في كبر سنها.
وكان فيه كمان مستندات تخص جمعية خيرية محلية، كانت جدتي بتدعمها من سنين من غير ما حد يعرف. رفعت عيني بدهشة. تيتة إنتِ بتتبرعي بفلوس كل شهر؟ ابتسمت. أيوه يا بنتي. من زمان. سألتها طب ليه ما قولتيش لحد؟ قالت عشان الخير لما بيتعمل عشان الناس تتكلم عنه، بيبقى فيه حاجة ناقصة. أنا كنت بشوف أطفال أيتام محتاجين لبس ومدارس، وستات كبار قاعدين لوحدهم زيي، ومش لاقيين حد يسأل عليهم.
فكنت بساعد على قد ما أقدر. ثم بصت لأولادها الستة. كنت أتمنى أشوفكم بتعملوا كده من نفسكم، مش عشان أقولكم. رجعت بصيت للمستندات، ولاحظت إن فيه خطابًا منفصلًا خاصًا بيا. كان مكتوب فيه إن جدتي اختارتني أكون الشخص المسؤول عن متابعة تنفيذ رغباتها الخيرية، بالتنسيق مع المحامية، لو أنا وافقت. ما كانش فيه وعد ببيت، ولا مبلغ ضخم، ولا ميراث سري هينقلني من الفقر للثراء في لحظة.
كان فيه مسؤولية. مسؤولية كبيرة. ومش عارفة ليه، حسيت إنها أغلى من أي ميراث ممكن آخده. خالي محمود سخر من الموقف وقال يعني كل ده عشان تديها هي مسؤولية فلوسك؟ إحنا ولادك يا أمي! جدتي ردت من غير ما تتردد أيوه، إنتوا ولادي. وعشان كده أنا بحبكم، رغم كل اللي وجعني منكم. لكن أنا اخترتها لأنها الوحيدة اللي كانت بتيجي لي من غير ما تحتاج مني حاجة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.