في عيد ميلاد جدتي

نُشر منذ 6 أيام
حفظ
غلاف المقال

جدتي مدت إيدها ومسحت على شعره، زي ما كانت بتعمل وهو طفل. قالت أنا مسامحاك يا محمود. بس المسامحة مش معناها إننا نمسح اللي حصل من ذاكرتنا. معناها إننا ندي نفسنا فرصة نعيش أحسن من اللي فات. من اليوم ده، بدأ محمود ييجي لها كل أسبوع. مش كل مرة كان بييجي فيها يبقى مثالي، ومش كل خلاف قديم اختفى فجأة، لكنه بدأ يتعلم يسمع قبل ما يطالب، ويسأل عن احتياجات أمه قبل ما يسأل عن ممتلكاتها.

وبعده بشهر، عمتي سعاد بدأت تيجي هي كمان. في الأول كانت بتقعد نص ساعة وتمشي، وبعد كده بقت تقعد لحد المغرب، وتساعد جدتي في المطبخ، وتحكيلها عن ولادها. وماما اعترفت إنها كانت مقصرة هي كمان، وإنها كانت بتبرر لنفسها غيابها بأنها مشغولة. أما باقي إخواتهم، فاحتاجوا وقتًا أطول. واحد منهم فضل شايف إن اللي حصل إهانة ليه، ورفض يزور جدتي لشهور. لكن جدتي ما جريتش وراه، ولا استخدمت البيت وسيلة للضغط عليه.

كانت تقول الباب مفتوح للي عايز يدخل، لكن أنا مش هفضل واقفة على الباب أترجى حد يفتكرني. والغريب إن الجملة دي كانت أقوى من أي تهديد. لأنها كانت أول مرة جدتي تختار نفسها من غير ما تحس بالذنب. المفاجأة الأخيرة البيت اللي اتخانقوا عليه بقى سبب في لمّ العيلة بعد حوالي ست شهور، جدتي طلبت مني أروح معاها عند المحامية. كانت عايزة تنظم أوراقها بشكل نهائي، وتتأكد إن كل حاجة هتتنفذ بطريقة قانونية وواضحة.

المحامية راجعت المستندات معاها، وشرحت لها الخيارات المتاحة، وساعدتها توثق رغباتها بالطريقة المناسبة. جدتي قررت إنها تحتفظ بملكيتها وحقها الكامل في البيت طول حياتها، وإن أي تصرف في الممتلكات بعد وفاتها هيكون وفقًا للمستندات القانونية الصحيحة، مع مراعاة حقوق الورثة المقررة قانونًا. أما جزء من مدخراتها، فخصصته لدعم مشروع خيري صغير كانت بتحلم بيه من سنين مكان يقدم وجبات ومساعدة لكبار السن اللي عايشين لوحدهم في المنطقة.

ما كانش مشروع ضخم، ولا مؤسسة بملايين الجنيهات. لكنه كان مشروعًا يشبهها. بسيطًا، دافئًا، ومبنيًا على فكرة إن الإنسان ما ينفعش يفضل لوحده لمجرد إن سنه كبر أو إن ظروفه صعبت. وأنا وافقت أساعدها في متابعة المشروع، مع وجود حسابات واضحة وتقارير منتظمة، زي ما المحامية نصحتنا. لكن جدتي فاجأتني بحاجة تانية. طلبت من كل أولادها الستة ييجوا البيت يوم الجمعة. ولما اتجمعوا، قالت لهم أنا مش هطلب منكم تتفقوا على كل حاجة.

ولا هطلب منكم تنسوا الخلافات القديمة في يوم وليلة. لكن عندي طلب واحد. كلهم بصوا لها. قالت عايزاكم تختاروا يوم في الأسبوع، تتجمعوا فيه هنا. مش عشان أنا عندي بيت، ولا عشان فيه فلوس، ولا عشان حد مستني ميراث. عايزاكم تيجوا عشان البيت ده يفضل بيت عيلة، طول ما أنا عايشة. في البداية، ما حدش رد. ثم خالي محمود قال كل يوم جمعة يا أمي، هتلاقينا هنا. عمتي سعاد ابتسمت وقالت وأنا هجيب الأكل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
954مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة