في اللحظة دي، عمتي نجلاء، اللي كانت ساكتة من أول الخناقة، سألت بقلق يعني إيه مش ملكنا؟ البيت باسم مين؟ بصيت لجدتي، وهي أومأتلي إني أكمل. قلت البيت مسجل باسم جدتي فاطمة وحدها. وجدي، الله يرحمه، كان كاتب ده في أوراقه من زمان، بعد ما اتفقوا إن البيت يفضل مأوى ليها طول عمرها. خالي محمود رد بسرعة حتى لو باسمها، إحنا ورثتها بعد عمر طويل!
قلت بعد عمر طويل، كل حاجة هتمشي بالقانون والوصية الصحيحة، مش بالصوت العالي. لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفوها. طلعت ورقة تانية. من حوالي تلاتين سنة، جدتي رفضت تبيع البيت لمستثمر كان عايز يهدمه ويبني مكانه عمارة. المستثمر عرض عليها مبلغ ضخم بالنسبة للوقت ده. كانت تقدر تبيع وتعيش مرتاحة، لكنها رفضت عشان قالت إن ده بيت العيلة، وإنها مش عايزة أحفادها يلاقوا نفسهم يوم من الأيام من غير مكان يجمعهم.
ماما بدأت تعيط بهدوء. أما خالي محمود، فكان بيقلب في الورق بعصبية، وكأنه بيدور على ثغرة ينقذ بيها نفسه من الموقف. وفجأة، مد إيده ناحية العقد. لكن جدتي قالت بصوت حاسم إيدك يا محمود. وقف مكانه. دي أوراقي، وأنا اللي هقرر مين يشوفها ومين لأ. رجع إيده ببطء. ولأول مرة في الليلة دي، حسيت إن ولادها بدأوا يستوعبوا إن الست اللي اتعودوا يشوفوها ضعيفة وساكتة، لسه قادرة تحط حدود ما حدش يتخطاها.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية. السر اللي اتخبّى تلاتين سنة فتحت الظرف البني الكبير اللي عليه اسم جدتي. جواه خطاب بخط جدي، مكتوب من أكتر من أربعين سنة. كان موجهًا لجدتي، ومكتوب على أول صفحة لفاطمة، لو جه يوم وولادنا اتخانقوا على البيت، افتحي الرسالة دي قدامهم. إيدي اترعشت وأنا بقرأ. كان جدي كاتب إنه كان عارف إن الحياة ممكن تغيّر الناس، وإن الفقر والتعب مش دايمًا بيطلعوا أحسن ما في الإنسان.
لكنه كان عنده خوف واحد. إن ولاده بعد ما يكبروا، ينسوا إن أمهم ضحّت بكل حاجة عشانهم. وفي آخر الخطاب، كتب لو نسوا يومًا إن البيت ده اتبنى على تعبك، ما تعاقبيهمش بالفقر ولا بالحرمان. لكن ما تسمحيش لحد فيهم يحوّل حبك ليه إلى حق مكتسب. خليهم يعرفوا إن اللي ييجي لك طمعان، مش زي اللي ييجي لك مشتاق.
ما قدرتش أكمل من غير ما دموعي تنزل. حتى جدتي كانت بتبكي. أما أولادها، فبعضهم كان باصص للأرض، وبعضهم كان متضايق من إن الخطاب بيتقري قدام الجميع. لكن خالي محمود قال فجأة حلو الكلام ده، بس إحنا لسه ما عرفناش إيه حكاية الأظرف الستة! رفعت راسي. حاضر. دي بقى الحكاية اللي كنتوا خايفين منها.
فتحت الظرف الأول، وكان جواه صورة لإيصال بنكي قديم، وورقة مكتوبة بخط جدتي. ثم فتحت الظرف الثاني، فوجدت مستندات مشابهة. كل ظرف كان بيحكي قصة مختلفة عن واحد من أولادها. لكن القاسم المشترك بينهم كان صادمًا. كل واحد من الستة كان له موقف قديم، اتسبّب فيه من غير ما يقصد أو عن قصد، في ضياع مبلغ كبير من فلوس جدتي أو تعريض البيت للخطر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.