في عيد ميلاد جدتي

نُشر منذ 6 أيام
حفظ
غلاف المقال

ساعتها، قررت إني مش هسكت. قمت من مكاني من غير ما أقول كلمة، ودخلت الأوضة اللي جنب الصالة. وبعد لحظات، رجعت وأنا شايلة علبة كبيرة، تقيلة شوية، ومتغلفة بعناية. حطيتها في نص السفرة، بالظبط بين أطباق الأكل اللي محدش بقى باصص لها. كل الأصوات سكتت بالتدريج. خالي بص للعلبة باستغراب، وعمتي عقدت حواجبها، وماما رفعت عينيها ناحيتي.

واحد منهم سألني بعصبية إيه ده؟ وإنتِ جايبة إيه دلوقتي؟ ما رديتش. بصيت لجدتي الأول، فرفعت عينيها ليا، وكان في نظرتها شيء غريب مزيج من الخوف والرجاء، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان. حطيت إيدي على غطا العلبة وفتحته بهدوء. وفي اللحظة اللي ظهر فيها اللي جواها وشوش ولاد جدتي الستة اتقلبت، والدم انسحب منها لدرجة إن واحد منهم رجع بظهره في الكرسي، وواحدة شهقت وحطت إيدها على بقها.

وبعدين، في صوت واحد تقريبًا، صرخوا في وشي إنتِ إزاي تعملي فينا كده؟! إنتِ اتجننتي؟! العلبة اللي كشفت سر جدتي فاطمة والسر اللي خلّى ولادها الستة يندموا على كل كلمة قالوها في عيد ميلادها المية! إنتِ إزاي تعملي فينا كده؟! إنتِ اتجننتي؟! الصوت طلع من خالي محمود، أكبر إخوات ماما، وهو بيزق كرسيه لورا لدرجة إنه خبط في الحيطة.

أما عمتي سعاد، فكانت باصة لجوا العلبة ووشها أصفر، وبتردد بصوت مهزوز لأ لأ، ده مستحيل! الورق ده المفروض يكون اختفى من زمان! في اللحظة دي، كل اللي قاعدين على السفرة نسوا إنهم جايين يحتفلوا بعيد ميلاد ست عندها مية سنة. ونسوا التورتة، والشموع، والهدايا اللي لسه متفتحتش. كل عيونهم كانت متسمرة على العلبة اللي قدامي.

كان جواها ملف قديم، ومجموعة مفاتيح، وصور بالأبيض والأسود، وظرف بني كبير عليه اسم جدتي فاطمة بخط إيد جدي الله يرحمه. لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت ست ورقات، كل ورقة عليها اسم واحد من أولاد جدتي الستة. ست ورقات، وستة أظرف، وكل ظرف مقفول بالشمع الأحمر. رفعت عيني لخالي محمود وسألته بهدوء إنت خايف من إيه يا خالي؟ هو إنت تعرف إيه عن الورق ده؟ صرخ في وشي إنتِ مالكيش دعوة!

دي حاجات عائلية تخصنا إحنا، مش من حقك تطلعيها قدام الناس! ضحكت ضحكة صغيرة من كتر ما كنت مصدومة. حاجات تخصكم؟ طب ما إنتوا من شوية كنتوا بتتكلموا عن بيت جدتي كأنه شقة فاضية في مزاد، وهي قاعدة قدامكم! دلوقتي بقى لما ظهر ورق مش على مزاجكم، افتكرتوا إنها ليها خصوصية؟ ماما بصتلي بحدة وقالت إنتِ بتعملي إيه يا بنتي؟ اقفلي العلبة وخلي الليلة تعدي على خير.

لكن قبل ما أقدر أرد، جدتي فاطمة رفعت إيدها ببطء. مجرد ما رفعتها، سكتوا كلهم. رغم إنها كانت أكبر واحدة موجودة في البيت، ورغم إن جسمها بقى ضعيف، كان لسه في صوتها حاجة تخلي الكل يسمعها. قالت سيبوها تتكلم. أنا اللي طلبت منها تجيب العلبة دي. ساد الصمت. بصيت لجدتي بعدم تصديق. هي فعلًا اللي طلبت مني؟ أيوه. قبل الحفلة بأسبوع، كنت قاعدة معاها في أوضتها، وبساعدها ترتب دولاب قديم.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
954مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة