في عيد ميلاد جدتي

نُشر منذ 6 أيام
حفظ
غلاف المقال

كانت لابسة فستانها المفضل، ومسرّحة شعرها الأبيض بعناية، ووشها منوّر من الفرحة. كل شوية تبص على الساعة وتسألني هما اتأخروا ليه يا بنتي؟ تفتكري الطريق زحمة؟ وأنا أطمنها وأقولها ما تقلقيش يا تيتة، كلهم جايين. النهارده يومك، ومحدش هيضيّع عليكي الفرحة دي. ولما بدأوا يوصلوا واحد ورا التاني، البيت رجع فيه صوت وضحك وحركة زي زمان. الأحفاد اتجمعوا، والأولاد حــ,,ـــــضنوا أمهم، واتصورت صور كتير، والكل قعد حوالين السفرة الكبيرة.

وللحظات، حسيت إن أمنية جدتي أخيرًا اتحققت. لكن الفرحة دي ما كملتش طويل. بعد ما الأكل اتحط على السفرة، وقبل ما نقطع التورتة، خالي الأكبر بص حواليه، وبعدين قال بمنتهى البرود بالمناسبة يا جماعة، مش شايفين إننا لازم نتكلم في موضوع البيت؟ يعني ربنا يدي ماما الصحة، بس إحنا لازم نبقى متفقين على اللي هيحصل لما ربنا يسترد أمانته. الكلام نزل على السفرة زي الحجر.

بصيت لجدتي، لقيتها سكتت فجأة، وابتسامتها اختفت من على وشها. وقبل ما حد يرد، عمتي قالت بسرعة أنا اللي ساكنة أقرب واحدة ليها، وأنا اللي بتابع معاها أكتر منكم، فطبيعي البيت يبقى من حقي. خالي التاني اعترض على طول من حقك إيه بس؟ هو إحنا مش كلنا ولادها؟ البيت يتباع، والفلوس تتقسم علينا الستة بالتساوي، وخلصنا. ماما دخلت في الكلام وقالت بعصبية أيوه، وده الحل العادل.

محدش ياخد أكتر من التاني. وفي أقل من دقيقة، السفرة اللي كانت مليانة ضحك بقت ساحة خناقة. كل واحد بدأ يطلع مواقفه القديمة، ويعدّد المرات اللي ساعد فيها جدتي، أو المرات اللي زارها فيها، وكأنهم داخلين مزاد، واللي هيقدر يثبت إنه عمل أكتر هو اللي يستحق البيت. واحد بيقول إنه صرف عليها فلوس. والتانية بتقول إنها كانت بتكلمها كل يوم. والتالت بيقول إنه من حقه ياخد البيت عشان هو الابن الأكبر.

وأنا قاعدة ببص لهم ومش مصدقة اللي بسمعه. هما بيتخانقوا على بيت أمهم، وهي قاعدة قدامهم ولسه عايشة! جدتي كانت ساكتة، إيديها فوق حجرها، وعينيها بتتنقل من وش للتاني. حاولت تبتسم كذا مرة، يمكن عشان تهدي الجو، لكن صوتهم كان بيعلى أكتر وأكتر. وفجأة، لمحت دموع بتتجمع في عينيها. المنظر ده وجعني أكتر من أي كلام سمعته. قمت من مكاني وقلت يا جماعة، عيب!

النهارده عيد ميلاد تيتة المية، مش يوم تقسيم تركتها! استنوا لما تقوموا من على السفرة على الأقل! لكن محدش سمعني. أو يمكن سمعوني، بس محدش اهتم. فضلوا يتكلموا فوق بعض، وكل واحد عايز يثبت إنه صاحب الحق الأكبر في البيت اللي جدتي قضت عمرها كله بتبنيه وتحافظ عليه. لحد ما عمتي قالت الجملة اللي خلت الدم ينشف في عروقي يا جماعة، أمي ممكن تمــ,,ـــــوت في أي يوم!

إحنا لازم نحسم الموضوع ده من دلوقتي بدل ما نتفاجئ بعدين. في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت. بصيت لجدتي، لقيتها منزّلة راسها، ودمعة نزلت على خدها وهي بتحاول تمسحها بسرعة من غير ما حد ياخد باله. بس أنا خدت بالي. وشفت كل حاجة. شفت الست اللي اشتغلت شغلانتين وتلاتة عشان تربيهم، واللي حرمت نفسها من حاجات كتير عشان ما تحرمهمش هما، قاعدة في عيد ميلادها المية بتسمع ولادها بيتناقشوا في مــ,,ـــــوتها وتقسيم بيتها، وكأنها مش موجودة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
954مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة