في عيد ميلاد جدتي

نُشر منذ 6 أيام
حفظ
غلاف المقال

في عيد ميلاد جدتي ال، ولادها الستة اتخانقوا على بيتها وهي لسه عايشة لحد ما حطّيت علبة غريبة على الترابيزة، واللي حصل بعدها خلّاهم كلهم يتسمروا مكانهم! جدتي فاطمة عاشت عمرها كله وهي بتجري على مصلحة ولادها الستة، وبتحاول توفرلهم كل اللي نفسهم فيه، حتى لو ده كان على حساب راحتها وصحتها. جدي مات وهما لسه صغيرين، وساعتها جدتي لقت نفسها مسؤولة عن ست عيال لوحدها.

ما استسلمتش ولا اشتكت، واشتغلت شغلانتين، وأوقات كانت بتشتغل تلات شغلانات في اليوم، بس عشان تقدر تأكلهم وتعلّمهم وتخليهم يعيشوا حياة كريمة. والبيت اللي كلهم اتربّوا فيه، كان هو نفس البيت اللي جدتي وجدي بنوه بإيديهم طوبة طوبة، في منطقة قديمة وهادية في المنصورة. بيت مليان ذكريات، وكل ركن فيه كان شاهد على عمر كامل من التعب والتضحية والفرحة والدموع. ولما الأحفاد جم للدنيا، جدتي ما اتغيرتش.

فضلت دايمًا سند لولادها، تساعد ده في تربية عياله، وتقف جنب دي وقت الشدة، وتفتح بيتها لأي حد فيهم مهما كانت الظروف. وأنا شخصيًا فاكرة كويس، وأنا صغيرة، إزاي كانت جدتي هي اللي بتقعد معايا طول اليوم لما بابا وماما يكونوا في الشغل. كانت تطبخلي بإيديها، وتحكيلي حواديت قبل ما أنام، وتفضل جنبي حتى لو كانت تعبانة ومش قادرة تقف على رجليها.

بالنسبة لي، جدتي فاطمة مش مجرد ست كبيرة في السن دي أحنّ وأجدع إنسانة عرفتها في حياتي. بس زي ما بيحصل في الدنيا، السنين جريت، والعيال كبروا، وكل واحد اتجوز وخلف وسافر أو نقل لمكان تاني، وبقى عنده حياته ومشاغله. والبيت اللي كان زمان مليان دوشة وضحك وصوت عيال، بقى هادي بشكل يوجع القلب.

الزيارات قلت واحدة واحدة، والمكالمات بقت سريعة وعلى فترات متباعدة، لحد ما بقى فيه شهور بتعدّي من غير ما بعض ولادها يشوفوها. أما أنا، فكنت تقريبًا الوحيدة اللي بحاول أزورها على قد ما أقدر. كنت بروحلها، أقعد معاها، أسمع حكاياتها اللي سمعتها منها ميت مرة، وبرضه أضحك كأني بسمعها لأول مرة. كنت عارفة إنها بتفرح بوجودي، وده لوحده كان كفاية يخليني أروح لها حتى لو كنت تعبانة أو مشغولة.

ولما قرب عيد ميلادها المية، كان عندها أمنية واحدة بس. إنها تشوف ولادها الستة وأحفادها كلهم متجمعين حواليها تحت سقف بيتها، زي زمان. كانت بتتكلم عن اليوم ده بفرحة طفلة مستنية العيد، وكل شوية تسألني يا بنتي، هو خالك هييجي؟ وعمّتك كمان هتيجي؟ طب وأولادهم؟ نفسي أشوفهم كلهم قبل ما أمــ,,ـــــوت. كانت بتقول الكلام ده وهي بتضحك، بس أنا كنت بحس إن وراه وجع كبير. تخيلوا بقى ست عندها مية سنة!

مية سنة كاملة من العمر والتعب والذكريات، ولسه كل اللي نفسها فيه إنها تشوف عيلتها حواليها. وعشان كده، لما بعتت لكل ولادها وأحفادها وعزمتهم على عيد ميلادها، محدش قدر يرفض الدعوة. وأنا وصلت قبلهم بكام ساعة عشان أساعدها في تجهيز الأكل، وترتيب السفرة، وتحضير كل حاجة بنفسها اللي كانت مصممة تعملها رغم سنها.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
954مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة