وقالت أهو ده الكلام اللي يفرّح القلب. ومن الجمعة دي، البيت بدأ يرجع له صوته. الأحفاد بقوا ييجوا بعد المدرسة والجامعة، والأولاد اتعودوا يقعدوا سوا، وحتى اللي كان رافض يزور جدتي بدأ يظهر بالتدريج، بعد ما فهم إن مفيش حد بيحاول يحرمه من حقه، وإن المشكلة من البداية ما كانتش في البيت، لكن في الطريقة اللي تعاملوا بيها مع أمهم.
والمهم إن جدتي ما رجعتش تديهم كل حاجة زي زمان لمجرد إنهم رجعوا. بقت تساعد اللي محتاج فعلًا، وتقول لأ لما تكون مش قادرة، وتطلب منهم يساعدوها من غير ما تحس إنها بتتقل عليهم. ولأول مرة في حياتها، بقت هي كمان تتدلّع على ولادها. تطلب من محمود يوديها للدكتور، ومن سعاد تعمل لها أكلة بتحبها، ومن ماما تقعد جنبها شوية بدل ما تمسك التليفون. وكانت بتفرح بالحاجات الصغيرة دي أكتر من أي هدية غالية.
بعد سنة احتفلنا بعيد ميلادها ال في عيد ميلاد جدتي الواحد بعد المية، اتجمعنا كلنا في نفس البيت. نفس السفرة. نفس الكراسي. ونفس التورتة اللي كنا نسينا نقطعها في عيد ميلادها اللي فات. لكن المرة دي، ما كانش فيه حد بيتكلم عن الميراث. خالي محمود كان واقف بيصب الشاي، وعمتي سعاد بتوزع الأكل، وماما قاعدة جنب جدتي بتظبط لها الشال على كتفها. أما أنا، فكنت واقفة بعيد شوية، ببص للمشهد وقلبي مليان امتنان.
جدتي نادتني. تعالي يا بنتي، اقعدي جنبي. قعدت، فمسكت إيدي وسألتني فاكرة العلبة اللي حطيتيها على السفرة السنة اللي فاتت؟ ضحكت وقلت أنساها إزاي يا تيتة؟ دي كانت هتخليني أخرج من البيت مطرودة! ضحكت من قلبها، وبعدين بصت لأولادها اللي كانوا قاعدين حواليها. قالت أنا كنت فاكرة إن العلبة دي هتكشف لي مين الطماع فيكم، لكن اكتشفت حاجة أهم. سألتها إيه هي؟ ردت إن الناس ممكن تتغير، بس لازم تبقى مستعدة تواجه نفسها الأول.
والبيت لوحده ما يقدرش يلمّ العيلة، لو القلوب مش عايزة تتلمّ. سكتت لحظة، وبعدين كملت أنا مش عايزة حد فيكم يفتكر إني نسيت اللي حصل. أنا فاكرة كل كلمة. بس مش هفضل أعيش عمري كله أسيرة للي وجعني. أنا عندي مية سنة وواحد، ولسه عندي أيام عايزة أفرح بيها. في اللحظة دي، خالي محمود قرب منها، وباس راسها وقال حقك علينا يا أمي.
واحد ورا التاني، كلهم قربوا منها. حتى اللي كانوا أقل ناس في الزيارة، بقوا حريصين إنهم ييجوا ويقعدوا معاها. مش لأنهم بقوا ملائكة، ولا لأن خلافاتهم اختفت تمامًا، لكن لأنهم أخيرًا فهموا إن الوقت اللي بيضيع مع شخص بتحبه، مش دايمًا بيكون فيه فرصة تعوضه. بعد ما قطعنا التورتة، جدتي طلبت مني أجيب العلبة الكبيرة. جبتها وحطيتها قدامها.
بصت لأولادها الستة، وبعدين قالت النهارده بقى، أنا عايزة كل واحد فيكم يحط جواها ورقة. خالي محمود سألها نكتب إيه يا أمي؟ قالت اكتبوا حاجة واحدة نفسكم تعملوها معايا قبل ما العمر يجري أكتر. مش حاجة تشترُوها، ولا فلوس تدفعوها. وقت، أو مشوار، أو ذكرى عايزين نعيشها سوا. بدأوا يكتبوا. واحد كتب إنه نفسه يخرج معاها على النيل. والتانية كتبت إنها عايزة تعمل معاها وصفة الأكل اللي كانت بتعملها زمان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.