وقت، أو مشوار، أو ذكرى عايزين نعيشها سوا. بدأوا يكتبوا. واحد كتب إنه نفسه يخرج معاها على النيل. والتانية كتبت إنها عايزة تعمل معاها وصفة الأكل اللي كانت بتعملها زمان. وماما كتبت إنها عايزة تقضي معاها يومًا كاملًا من غير موبايل ولا شغل. أما خالي محمود، فكتب إنه نفسه يسمع حكايات جدي كلها، من أول يوم اتجوزوا فيه لحد آخر يوم عاشه. جدتي كانت بتقرأ الأوراق، وتضحك وتعيط في نفس الوقت.
وبعدين طلبت مني أكتب أنا كمان. مسكت القلم، وكتبت نفسي أفضل أسمع صوتك وإنتِ بتناديني يا بنتي. لما قرأت الورقة، ضمتني لحــ,,ـــــضنها وقالت طول ما أنا عايشة، هتفضلي تسمعيها. ما كنتش أعرف إن اللحظة دي هتفضل محفورة في ذاكرتي أكتر من أي حاجة تانية حصلت في البيت. لأن بعد شهور طويلة، وفي صباح هادي من أيام الشتاء، جدتي فاطمة نامت نومها الأخير.
كانت محاطة بأولادها وأحفادها، بعد ما قضت أيامها الأخيرة في بيتها، وسط الناس اللي بتحبهم، ومن غير ما تضطر تسأل نفسها إذا كان حد هيفتكر يزورها. رحلت عن عمر 101 سنة، بعد حياة طويلة مليانة تعب وتضحيات، لكن نهايتها كانت أهدى وأحنّ مما كنت أخاف. وفي يوم العزاء، البيت كان مليان ناس، والكل بيحكي موقفًا من مواقفها، أو يفتكر كلمة قالتها له في وقت كان محتاجها فيه.
ما حدش فتح موضوع الميراث. ولما جه وقت إنهاء الإجراءات القانونية الخاصة بتركتها، اتعاملنا مع الأمر بهدوء، عن طريق المحامية، وبما يتفق مع القانون والحقوق المقررة لكل طرف. ما كانش فيه انتقام سري، ولا حرمان تعسفي، ولا معركة جديدة. كان فيه أوراق واضحة، وحقوق اتحددت، ومشروع خيري كمل طريقه بدعم العيلة.
أما البيت، ففضل موجودًا، واتفقنا إن ذكرياته تفضل جزءًا من حياة أحفادها، وإن أي قرار يخص مستقبله يتاخد بالطرق القانونية الصحيحة، بعيدًا عن الخناقات والضغوط. وبعد العزاء بأسبوع، رجعت البيت لوحدي. دخلت الصالة، وبصيت على الكرسي اللي كانت جدتي بتقعد عليه. كان فاضي. قعدت مكانها، وفتحت العلبة للمرة الأخيرة. لقيت تحت الملفات ورقة صغيرة ما كنتش شفتها قبل كده.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.