عز الدين فتح الخزنة وطلع منها مفتاح صغير، وبصلي بجدية شديدة: “من النهاردة هتطلعي تعيشي في الشقة اللي فوق الورشة. محدش من العمال هيشوفك تاني بأفرول الميكانيكا، وحسام لو رجع… هيلبس التهمة اللي هيجيبها لنفسه.” خطيت خطوة لقدام وقولت بصوت بترعش: “ليه؟ ليه تعمل معايا كده وإنت ما تعرفنيش؟” عز الدين قرب مني، وقدم المفتاح لإيدي. لما صوابعه لمست صوابعي، كانت لمسته دافية وثابتة، وحسيت لأول مرة من سبع شهور إن فيه حيطة ساندة ضهري.
“لأن الراجل اللي يمد إيده على واحدة غصب عنها أو يفتكر إن نفوذه يخليه يملك بني آدمة… يلزمك تعرفي إن فيه في الجيزة رجالة أجدع منه بكتير.” سحبت إيدي ببطء والمفتاح في قبــ,,ـــــضتي، كان دافي من مسكته. نظرتي كانت متثبتة على المفتاح النحاس الصغير، وبعدين رفعتها لوشه. عز الدين المغربي مكانش مجرد راجل بيحمي حد في ضائقة، كان فيه في عينيه هدوء مريب… هدوء الراجل اللي دخل حرب وعارف إنه هيكسبها قبل ما تبدأ أساسًا.
“الشنطة بتاعتك فين؟” سأل وهو بيمشي ناحية باب المكتب. “في الأوضة اللي ورا المخزن… الشنطة الصغيرة.” صوتي كان لسه بيطلع مبحوح، ناعم زي ما نسيت إنه كان. عز الدين ما لفش، بس هز راسه. “هتطلعي من الباب الخلفي للمكتب، فيه سلم حديد طالع لـ الشقة فوق. الميكانيكية مش هيشوفوكي. تامر هو الوحيد اللي هيفهم إن آدم مشي، وهجيب لك حاجتك لحد عندك.
” “وعز الدين بك…” ناديت عليه قبل ما يفتح الباب. وقف وإيده على المقبــ,,ـــــض، ولَف نص لفة. “حسام مش عبيط… وهيرجع لماجد. ماجد الشناوي نفوذه مش بس في الجيزة أو التجمع، ده عنده ناس في—” قاطعني بابتسامة صغيرة، دافية بس مليانة ثقة تخوف. “ماجد الشناوي بيلعب في الطين يا ملك… وأنا اللي بيبني المباني اللي هو بيمشي تحتها.
الشناوي لو فكر بس يرمي طوبة ناحية الورشة دي، أنا ههدم عليه كل المخازن والشركات اللي حاطط إيده عليها في السوق. العبي غيرها… واطلعي فوق.” فتح الباب وخرج، وسابه موارب. مشيت بخطوات مسروقة ناحية الباب الخلفي. السلم الحديد كان ضيق ونازل منه ريحة الصدأ والرطوبة. طلعت درجة درجة، وجسمي كله كان بيترعش من الفكرة: بعد سبع شهور من نومة الأرض في زنقة المخزن، وربط صدـ,,ـــري اللي كان بيخنق نفسي كل ليلة، وأفرول الميكانيكا المليان شحم… أنا رايحة مكان أقدر أتنفس فيه كـ “ملك”.
فتحت باب الشقة فوق بالمفتاح.“كنت شاكك… والنهاردة لما حسام دخل، وعينيكي اتملت بالرعب ده، التأكيد جه.” ابتسم بتهكم خفيف وهو بيمشي ناحية الباب. “بس الصراحة؟ ما توقعتش إنك تكوني ملك عبدالسلام اللي الشناوي قالب مصر عليها بقاله سبع شهور ومطلع شائعة إنها سافرت بره.” وقف عند الباب ولَفلي: “ارتاحي… بكرة الشناوي بنفسه هييجي الورشة، وأنا حابب أستقبله جداً.
” الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي الصاعقة. “ماجد الشناوي جاي هنا؟” الدم اتجمد في عروقي، وحسيت الشقة بتلف بيا. مسكت في طرف الترابيزة عشان ما أقعش. الشناوي… الراجل اللي هربت منه ومن نفوذه ومن اللمسة اللي كانت بتسيب أثر على جسمي زي النــ,,ـــــار، هيبتعد عني بضع خطوات بس؟ بيني وبينه سقف خشب وسلالم حديد؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.