اتنكرت في زي ميكانيكي حكايات انجى الخطيب

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

المكان حوالينا كان ساكت سكون يرعب، حتى صوت الكوريك الحديد اللي كان شغال هناك وقف مرة واحدة. قرب مني خطوتين، وعينيه السمرا زي الليل كانت بتدرس كل إنش في وشي. النظرة مكانتش مجرد تفحص ميكانيكي شاطر، كانت نظرة راجل متعود يقرا الناس زي الكتب المفتوحة. “اسمك إيه؟” صوته كان واطي، بس كان فيه نبرة تقيلة تخلي أي حد يترعش. بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت بكل قوة عندي أطلع الصوت الخشن اللي اتدربت عليه سبع شهور.

“آدم… آدم راضي يا باشا.” عز الدين ما ترمش له عين. حط إيده في جيب بنطلونه، ومال براسه ناحية المــ,,ـــــوتور المفتوح، وبعدين رجع بصلي تاني، والمح لمح البصر حاجة غريبة في عينيه… كأنه بيشوف خطوط وشي المقصوصة بعناية، أو النعومة اللي بحاول أخبيها تحت هباب الزيت والسناج اللي حطاه على خدي. “إنت شغال هنا بقالك قد إيه يا آدم؟

” “سبع شهور…” “وسبع شهور مسمعتش صوتك فيهم مرة واحدة؟ ولا حتى بتسلم على العمال وإنت داخل؟” تامر رئيس الصنايعية اتدخل بصوت بترعش: “هو هادي يا عز بيك.. ولد في حاله والله بس أيده تتلف بـ…” عز الدين رفع إيده الصغيرة بس، وتامر سكت في ساعتها وكأن لسانه اتقطع. خطوة كمان لقدام. المساحة بيني وبينه بقت أقل من متر. ريحة برفانه الفخم الغالي اختلطت بريحة الشحم والبنزين في الورشة.

في اللحظة دي، إيدي المبلولة بالزيت كانت مسكة الخرطوم المكسور، وصوابعي كانت بتترعش من كتر الضغط. قلبي كان بيلطش في قفصي الصدـ,,ـــري بصوت حسيت إنه مسموع لكل اللي واقفين. الرباط اللي لافاه على صدـ,,ـــري حسيت بيه بيخنقني أكتر، والنفس بقى طالع بالعافية. “الخرطوم ده محدش يتوقعه…” عز الدين قالها وهو بيمد إيده وياخد الخرطوم من إيدي. أطراف صوابعه لمست إيدي بالغلط.

كانت لمسة سريعة، بس شفت حواجبه اتعقدت خفيف… بشرتي كانت أنعم بكثير من بشرة أي صنايعي شال حديد طول حياته. رفع الخرطوم وعاينه، وبعدين بصلي مباشرة في عيني: “إنت مش ميكانيكي يا آدم… الميكانيكي بيعرف العيب بالخبرة، إنت عرفته كأنك حافظ المــ,,ـــــوتور ده حتة حتة.. أو كأنك متعلم هيدروليك وفيرمات في مكان نظيف.” الدم هرب من وشي تماماً. الأفكار كانت بتجري في دماغي زي المجنونة. هل عرف؟ هل أبويا أو ماجد الشناوي وصلوا له؟

هل نفوذ ماجد جابه لحد هنا؟ عز الدين المغربي يفرق إيه عنهم؟ لو عرف إني بنت وهربانة، هيسلمني لأبويا بصفقة جديدة ولا هيخلص عليا؟ “أنا… أنا أبويا كان عنده عربية قديمة زي دي يا باشا، وكنت بفكها معاه وأنا صغير.” الكذبة طلعت من بين سناني بصعوبة. عز الدين حط الخرطوم على رف القماش القريب، وقرب وش أكتر، لدرجة إن عيونه بقت قصاد عيني بالظبط.

“أبوك؟” همس بيها بتهكم خفيف، “وأبوك ده ما علمكش إن العيون ما بتكذبش؟ إنت خايف يا آدم… خايف من حاجة أكبر بكثير من الخرطوم ده.” وفجأة، قبل ما ألحق أرد أو أتحرك خطوة لورا، البوابة الحديد الكبيرة بتاعة الورشة اترزعت بعنــ,,ـــــف. صوت كوتشات عربيات بتفرمل بره بصوت صريخ، ودخل تلات رجال أطوال، لابسين بدال سودا، وفي إيد كل واحد فيهم جهاز لاسلكي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
931مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة