شغلي في الشركة كبر، وبقيت ماسكة إدارة قسم كامل، وراتبي بقى يكفينا وزيادة، لدرجة إني قدرت أعمل صندوق استثماري خاص باسم ليلى عشان أؤمن دراستها الجامعية بره أو جوه البلد لما تكبر. في المقابل، كانت حياة إيهاب بتنحدر بسرعة الصاروخ. الديون اتراكمت عليه، والشركات الصغيرة اللي كان بيشتغل فيها بعقود مؤقتة بدأت تستغني عنه بسبب عدم تركيزه ومشاكله القضائية المستمرة.
أهله اللي كانوا في الأول واقفين جنبه وبيضغطوا عليا عشان أسامحه، رفعوا إيديهم عنه بعد ما اكتشفوا إنه استلف من إخواته مبالغ كبيرة وما رجعهاش، وصرفها في محاولات فاشلة لإقامة مشاريع وهمية عشان يعوض خسارته. في يوم من أيام الشتاء الممطرة، وبعد نهاية دوام الشغل، كنت راجعة البيت ومعايا ليلى بعد ما أخدتها من تمرين السباحة. وقفنا قدام سوبر ماركت كبير قريب من البيت عشان نشتري طلبات المطبخ.
وأنا ماشية بين الممرات وبحط الطلبات في العربية، ليلى شدّت جيلبي وفجأة وقفت وقالت بصوت واطي: “مامي.. بصي هناك.. ده بابا؟” بصيت في الناحية اللي شاورَت عليها، وشفت منظر صعب بكل المقاييس. كان إيهاب واقف في الممر المقابل، لابس جاكيت قديم ودبلان، وشه شاحب وذبلان، ودقنه طويلة مش متظبطة. كان ماسك في إيده علبة جبنة وشوية حاجات بسيطة، وواقف قدام الكاشير بيفتش في جيبه بغضب وإحراج شديد.
اتضحت المشكلة لما الموظف قال له بصوت عالٍ نسبياً سمعوه الناس اللي واقفين: “يا أفندم الكارت ده مافيهوش رصيد كافي، وحضرتك معاكش كاش يغطي الباقي!” إيهاب وشه جاب ألوان، وبدأ يبص حواليه بإحراج وهو بيحاول يجمع الفكة اللي في جيبه، بس المبلغ كان ناقص. الناس في الطابور بدأوا يزهقوا ويتأفأفوا من التأخير. ليلى بصتلي بعيون مليانة حيرة وشفقة، وقالتلي: “مامي.. بابا شكله زعلان وماعهوش فلوس يدفع.. ممكن نساعده؟
” بصيت لليلى، وفي اللحظة دي حسيت بالفرق الشديد بين اللي إحنا فيه واللي هو وصل له. إيهاب اللي كان فاكر إن الـ 86 ألف دولار هيعيشوه ملك في إيطاليا مع نانا، واقف النهارده مش عارف يدفع ثمن طلبات أكل بسيطة. مشيت بخطوات هادية ناحية الكاشير، وطلبت من ليلى تستناني قريب. طلعت كارت البنك بتاعي، وحطيته على الماكينة وقلت للموظف بكل هدوء: “حساب الأستاذ عندي.. خدهم مع طلباتي.” إيهاب اتخض أول ما سمع صوتي.
لف وشه وبصلي بذهول، عينيه اتملت بالدموع والكسرة. ما كانش قادر يحط عينيه في عيني. قال بصوت مبحوح ومخنوق: “رشا.. إنتي.. إنتي بتعملي إيه هنا؟” رديت عليه بنفس الهدوء والكرامة: “ما تعملش في نفسك كده يا إيهاب. أنا ما عملتش كده عشانك، أنا عملت كده عشان بنتك ما تشوفش أبوها في موقف زي ده قدام الغرباء.
” مسك كيس الطلبات بكتفين مهدودين، وطلع معانا بره السوبر ماركت. كان الهواء بره بارد والمطر بيطش خفيف. وقفت قدام عربيتي، وفتحت الشنطة عشان أحط الطلبات. إيهاب كان واقف على الرصيف، بيستنى الأتوبيس أو ميكروباص يركبه، وشايل كيسه البسيط. قرب من العربية بخطوات بطيئة، وبص لليلى اللي سلمت عليه وبسته في خده، وبعدين بصلي وقال بنبرة مليانة ندَم وحسرة: “أنا خسرت كل حاجة يا رشا..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.