كانت بتطلب تحديد جلسة ودية عشان يناقشوا إعادة جدولة الأقساط المتبقية عليه من المبالغ اللي سحبها من الحساب المشترك. إيهاب كان بيواجه صعوبات مالية ضخمة، والشركات اللي بيشتغل فيها بعقود مؤقتة مش مكفية مصاريف معيشته وأقساط الديون اللي تراكمت عليه للبنك ولأصحابه اللي استلف منهم عشان يغطي مصاريف سفريته الشومة لإيطاليا. تقابلنا في مكتب سارة المحامية مرة ثانية. بس المرة دي، الترابيزة كان يجلس عليها طرفين مختلفين تماماً عن المرة الأولى.
أنا كنت قاعدة ببدلتي الأنيقة، معايا أوراقي ومستنداتي وشغلي، وإيهاب كان قاعد قصادي وشخصيته انطفت تماماً، هدومه قديمة، وعينيه دبلانة ومجهدة. قالت محاميته: “أستاذة رشا، أستاذ إيهاب بيتعرض لظروف مالية قاسية جداً الفترة دي، وهو ملتزم بدفع نفقة ليلى، بس المبالغ المسحوبة المتبقية عليها كبيرة والبنك بيهدده بإجراءات جديدة. إحنا بنطلب تخفيض القسط الشهري للنص وتأجيل بعض الأقساط لمدة ستة أشهر.
” سارة المحامية بصتلي عشان تشوف رأيي. أنا بصيت لإيهاب، الشخص اللي في يوم من الأيام كان فاكر إنه يقدر يرميني في الشارع أنا وبنته ويحرمنا من أكل عيشنا. ما كانش جوايا أي مشاعر انتقام أو تشفي، كان جوايا بس شعور بالعدل والترفع. قلت بصوت واثق ومسموع للكل: “أنا مش هقلل القسط يا إيهاب، ولا هأجل القرارات اللي القانون فرضها عليك.
الفلوس دي مش ليا، الفلوس دي مستقبل ليلى وحقها اللي إنت حاولت تسرقه. بس عشان أنا بعامل ربنا وبعرف يعني إيه إنسانية، هسمح لك بتأجيل قسطين اثنين بس بشرط واحد: تدفع نفقة ليلى ومصاريف مدرستها في موعدها بدون تأخير ليوم واحد. لو أخلّيت بشرط النفقة والمدرسة، التنازل ده يتلغي فوراً والنفاذ الجبري يشتغل.” إيهاب رفع عينيه وبصلي بذهول، كأنه ما كانش متوقع مني الرحمة دي بعد كل اللي عمله.
هز رأسه بسرعة وقال بصوت متقطع: “موافق.. موافق يا رشا.. أوعدك مش هتأخر عن مصاريف ليلى أبداً.” وقعنا على الملحق الإضافي للعقد. وأنا بلم أوراقي وبحطها في الشنطة، وقف إيهاب وقال لي بصوت واطي قبل ما أخرج من باب المكتب: “رشا.. إنتي نسيتيني بجد؟ أنا ساعات بقعد أفتكر الـ 12 سنة اللي عشناهم وبقول إزاي كل ده انتهى في لحظة؟
” وقفت عند الباب، وبصيت له بكل ثبات وقلت له: “أنا ما نسيتش الـ 12 سنة يا إيهاب.. أنا اتعلمت منهم. اتعلمت إن الأمان ما بيتووهبش، الأمان بيتصنع. وإن اللي يبيع بيته وبنته عشان شهوة أو طمع، ما يستاهلش حتى إننا نزعل عليه. إنت اللي اخترت النهاية دي يوم ما كتبت المسج.. وأنا بس كملت الطريقة اللي يحفظ كرامتي وحق بنتي.
” خرجت من المكتب، والشمس كانت ساطعة في شوارع القاهرة. اتجهت لعربيتي الجديدة اللي اشتريتها من شغلي وتعبي، ومشيت في طريقي عشان أجيب ليلى من المدرسة. وصلت قدام باب المدرسة، نفس المكان اللي بدأت منه الحكاية قبل سنة. وقفت مستنية، الشارع كان زحمة وأولياء الأمور واقفين، بس أنا ما كنتش نفس الست الخايفة اللي بلعت ريقها من الصدمة ورجليها كانت بترتعش. كنت ست ثانية خالص، واثقة، قوية، ومستقلة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.