حكايات صافى هانى 2

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

مرت ستة أشهر على اليوم اللي وقع فيه إيهاب تنازلاته في مكتب المحامية سارة. ستة أشهر كانت كفيلة إنها تغير ملامح حياتي تماماً. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام مهددة بالضياع والرهن، بقت ملكاً خالصاً لبنتي ليلى، والحساب البنكي استرد عافيته بعد ما أحكام القضاء ألزمت البنك والأطراف المعنية بإعادة المبالغ المسحوبة وتثبيت حقنا القانوني.

لكن الانتصار القانوني، رغم حلاوته، كان مجرد البداية لمعركة ثانية أصعب بكثير: معركة إعادة بناء نفسي وتربية ليلى بعيداً عن ظلال الخيانة والخذلان. في الأيام الأولى بعد انتهاء القضايا، كان البيت هادئاً بشكل مرعب. السكوت اللي سابه إيهاب ما كانش فراغ، كان أشبه بغبار معركة طويلة لمّا يسكن، تبتدي تشوف حجم الدمار اللي سابته وراها. كنت أصحى الصبح بدري قبل ليلى، أقعد في المطبخ وأنا ماسكة كوباية القهوة، وأبص على الكراسي الفاضية.

اتناشر سنة جواز مش برقية بتتكتب وتنتهي بكلمة؛ دي عمر وذكريات وتفاصيل صغيرة كانت بتملى المكان. بس كل ما كان يتسرب لقلبي أي نوع من الحنين أو الضعف، كنت بفتكر الرسالة اللي جازتلي وأنا واقفة قدام المدرسة: “أنا مسافر إيطاليا مع نانا.. ابقي قابليني بقى لو عرفتي تدفعي مصاريف البيت”. كانت الكلمات دي بتشتغل جواه كإنها إنذار بيصحي فيا كل مشاعر القوة والكبرياء. قرار الاستقلال المالي والاعتماد الكامل على النفس كان خطوتي التالية.

الفلوس اللي رجعت من الحساب المشترك كانت أمان لليلى، بس أنا ما كنتش عايزة أعيش على الهامش أو أصرف من الرصيد ده وأنا قاعدة في البيت. كنت محتاجة أرجع رشا القديمة، البنت اللي اتخرجت بتقدير امتياز من كلية التجارة قسم إدارة أعمال، واللي ضحت بمستقبلها المهني ووظيفتها في إحدى الشركات الكبيرة عشان تفرغ وقتها لبيت إيهاب وتربية ليلى. بدأت أدوّر على شغل، وما كانش الموضوع سهل بعد انقطاع استمر أكتر من عشر سنين.

المقابلات الشخصية كانت اختبار حقيقي لإرادتي؛ أسئلة المحاورين كانت كلها بتدور حولين الفجوة الكبيرة في سيرتي الذاتية. بس أنا ما خبيتوش شيئاً، كنت بتكلم بكل ثقة وإصرار، وأقول إن السنوات اللي ضاعت في البيت أضافت لي مهارات إدارة الأزمات والصبر والتخطيط اللي ما بتتعلمش في أكبر الجامعات. بعد شهرين من السعي والإنترفيوهات، جاتلي فرصة عمل كمديرة مشاريع في شركة استشارات مالية متوسطة.

الماهية ما كانتش كبيرة في الأول، بس الفرصة نفسها كانت طوق النجاة اللي محتاجاه عشان أثبت لنفسي وللعالم إن حياتي ما وقفتش عند محطة إيهاب. في الوقت ده، بدأت ليلى تسأل أسئلة أعمق. بنت ثماني سنوات، بس الصدمة اللي عاشتها والأجواء اللي مرت بيها خلتها تكبر قبل وقتها. “مامي، هو بابا مش هيجي يتغدى معانا تاني خالص؟” سألتني السؤال ده وهي قاعدة بتعمل واجب العربي، وعينيها كانت متعلقة بوشي بتستشف رد فعلي.

نزلت لمستواها، مسكت إيدها الصغيرة وقلت لها: “ليلى حبيبتي، بابا في مكان تاني دلوقتي ومسارات حياتنا اتغيرت. بس ده ما يقللش من حبك ليه أو حقه في إنك تشوفيه. الباب بينك وبينه مفتوح في الأوقات اللي يتفق عليها القانون، بس بيتنا هنا هو أماننا وتعبنا إحنا الاتنين.” التزام إيهاب برؤية ليلى كان متذبذب ومش منتظم.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة