في الأول، كان بيحاول يظهر بمظهر الأب المظلوم اللي اتسحبت منه حقوقه. كان بيجي ياخدها يوم الجمعة ساعة، يرجعها بلهفة وكأنه بيأدي واجب ثقيل. أخباره كانت بتوصلني من بعض المعارف المشتركين اللي حاولوا يلعبوا دور الوسطاء في الأول بس أنا قفلت الباب ده تماماً. إيهاب بعد ما رجع من روما مكسور ومفلس، حاول يرجع لشغله القديم في الشركة، بس الإدارة كانت عرفت بموضوع التزوير وقضايا تهريب الأموال، والسمعة السيئة اللي طاردته بعد فضيحته مع نانا خلت مجلس الإدارة يطلبه ويخيره بين الاستقالة أو الإحالة للتحقيق الداخلي.
اختار الاستقالة، وبدأ يدور على شغل في شركات أصغر بمرتبات أقل بكثير من اللي كان بياخدها. أما نانا، فبعد ما سابته في الفندق في روما، اختفت تماماً واستقالت هي كمان وانتقلت للعمل في دولة ثانية، وسابته يواجه ديونه ومشاكله لوحده. في يوم جمعة، بعد حوالي سبعة أشهر من انفصالنا، جاء إيهاب عشان ياخد ليلى في ميعاد الرؤية الأسبوعي. كان واقف تحت البيت، نزلت ليلى ومعاها شنطتها الصغيرة.
طلعت معاه العمارة لغاية الباب عشان أسلمها له بنفسي. لما شافني، اتفاجئ بالهيئة اللي بقيت عليها. كنت لابسة بدلة شغل رسمية، مستعدة لافتتاح مشروع جديد في شركتي، وشي فيه طاقة وحيوية وراحة نفسية ما شافهاش فيا من سنين. بصلي بنظرة انكسار واضحة وقال بنبرة صوت خافتة ومترددة: “ازيك يا رشا..” رديت بابتسامة هادية وباردة: “الحمد لله يا إيهاب، كل حاجة تمام.
ليلى معاها علاج الحساسية في الشنطة، ياريت تلتزم بميعاد الرجوع الساعة ستة بالظبط عشان عندها تمرين سباحة.” سكت شوية، ورجليه كانت بترتعش خفيف وهو ماسك إيد ليلى، وبعدين قال: “رشا.. إنتي شكلك اتغير أوي.. قصدي، بقيتي مختلفة.” قلت له وأنا ببص في عينيه بثبات: “الحياة بتتغير يا إيهاب لما الإنسان يقرر إنه ما يستسلمش للخديعة. ليلى أمانة معاك للانتهاء من الميعاد، أشوفكم الساعة ستة.
” لفيت وشي ودخلت الشقة وقفلـت الباب بكل هدوء، وسيبته واقف في الممر يراجع أوهامه اللي ضاعت. العمل في الشركة كان بيسحب مني وقت وجهد كبير، بس النجاح كان طعمه مختلف. في خلال أربع أشهر، قدرت أثبت كفاءتي في إشراف على حسابين من أكبر الحسابات المالية للشركة. المدير العام أشاد بالتزامي ودقتي، وقرر يرقيني لموقع أعلى بمرتب أضعاف اللي بدأت بيه.
الفلوس دي ما كانتش مجرد أرقام، كانت الدليل المادي على إن قرار الاستقلال كان صح، وإن المرأة لما بتقرر تدافع عن بيتها وعيالها بتقدر تعمل المستحيل. ليلى كانت بتكبر وتتفوق. دخلتها نادي رياضي اشتركت في تمرين السباحة والرسم، وبقت تاخد جوائز ومراكز أولى. كنت بحرص إن كل لحظة نجاح ليها أكون جنيها وفي ظهرها، أصورها وأشجعها وأحسسها إن بيتنا ما ينقصوش أي حاجة، بل بالعكس، بقى بيئتنا مليانة حب وأمان وراحة بال ما كانتش موجودة في وجود التوتر والخيانة.
في أواخر السنة، وتحديداً في شهر ديسمبر، جالي اتصال غير متوقع من محامية إيهاب الجديدة. كانت بتطلب تحديد جلسة ودية عشان يناقشوا إعادة جدولة الأقساط المتبقية عليه من المبالغ اللي سحبها من الحساب المشترك. إيهاب كان بيواجه صعوبات مالية ضخمة، والشركات اللي بيشتغل فيها بعقود مؤقتة مش مكفية مصاريف معيشته وأقساط الديون اللي تراكمت عليه للبنك ولأصحابه اللي استلف منهم عشان يغطي مصاريف سفريته الشومة لإيطاليا. تقابلنا في مكتب سارة المحامية مرة ثانية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.