ودلوقتي، وأنا قاعدة في صالون بيتنا، ببص لشهادات تقدير أدم اللي مالية الحيطة، وبفتكر الدوسيه الكحلي القديم اللي كان مليان تزوير وكدب.. ببتسم وبقول لنفسي: “الورق المزير بيتحىرق، والكدب حباله قصيرة.. بس الحقيقة، والست اللي بتوقف على رجلها عشان خاطر ابنها، هي اللي بتعيش وتكتب تاريخها الحقيقي بإيدها”.
………
السنوات بقت بتجري زي الثواني، وأدم كبر وبقى شحط، طول بعرض، صوته خشن وبقى مالي عليا البيت. دخل ثانوية عامة، وطول السنة دي أنا وهو كنا عايشين في معسكر.. هو يذاكر ويطحن نفسه، وأنا من الفجر صاحية أجهز له أكله وأدعيله، وعيني عليه وهو بيقاوم النوم والتعب عشان يثبت لنفسه وليا إنه قد المسؤولية.
ويوم النتيجة.. اليوم ده عمري ما هنساه. كنت قاعدة على أعصابي، ماسكة الموبايل وإيدي بترتعش، لحد ما السايت فتح وأدم دخل رقم الجلوس. فجأة لقيت الولد صرخ صرخة هزت الشقة، وقام سجد على الأرض وهو بيبكي بنشيج قاطع النفس. أنا قلبي وقع في رجلي، قولتله برعب: “إيه يا أدم؟ طمني يا بني؟”
رفع راسه وعينه حمرا من الدموع وقال بصوت مخنوق من الفرحة: “خمسة وتسعين في المية يا ماما! جبت خمسة وتسعين في المية! هدخل هندسة زي ما كنتِ بتحلمي!”.
ارتميت في حضنه وبقيت أعيط بهستيريا.. عياط السنين كله خرج في اللحظة دي. قولتله وأنا ببوس دماغه وإيديه: “رفعت راسي يا بني.. ربنا جير بخاطري فيك، وطلع تعبي بفايدة.. أنت بطل يا أدم، بطل”.
ودخل أدم كلية الهندسة، وبقى يروح وييجي وواثق في نفسه، ميبصش في الأرض أبدًا. الشاب اللي اسمه مسجل في دفاتر الحكومة باسم “أبن مسجل خطر”، بقى في الحقيقة هو البشمهندس أدم، الشاب المحترم اللي المنطقة كلها بتحلف بأدبه وجدعنته.
لحد ما جه اليوم اللي كنت شايلة همه من زمان.. يوم ما أدم جه وقعد جنبي وهو مكسوف، وبدأ يفرك في إيديه وقال بصوت واطي: “ماما.. كنت عايز أكلمك في موضوع كدة”.
فهمت على طول وابتسمت: “شايفاكي بتلف وتدور بقالك كام يوم.. مين سعيد الحظ؟”
وشه احمر وقال: “زميلتي في الكلية.. اسمها ‘ندى’.. بنت مؤدبة جداً ومن عيلة ناس طيبين أوي يا ماما، وأنا بصراحة اتعلمت منها ومنك إني أدخل البيوت من أبوابها، وكنت عايزك تيجي معايا نخطبها”.
الفرحة خدتني، بس في ثانية، الوجع القديم صحي في قلبي زي النغزة.. مسكت إيده وقولتله بقلق: “يا حبيبي أنا فوق الوصف فرحانة لك.. بس أنت عارف يا أدم.. إحنا لازم نكون صرحا معاهم من أول دقيقة.. عيلة البنت لازم تعرف كل حاجة عن قصة أبوك.. أنا مش هبني حياتك على داري وفوت، ولا هسمح إن كدبة تانية تبوظ حياتنا.. لازم يعرفوا عشان نشتري ناس شارينا بجد”.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.