أنا قلقت، قولت لها: “خير يا أستاذة؟ فيه حاجة ناقصة في الورق؟”
الموظفة بلعت ريقها، وبصتلي وحاولت تبتسم بـ “لطف مصطنع” وقالتلي بصوت هادي: “لا أبداً يا مدام.. بس السيستم هنج معايا شوية، هروح أراجع البيانات من الدفتر الرئيسي في المكتب اللي جمبنا.. ارتاحي أنتِ بس واشربي بؤ مية”.
قعدت.. دقيقة.. اتنين.. عشرة.. والوقت بيمر كأنه سنين. أدم بدأ يزهق ويمسك في إيدي، وأنا قلبي بدأ يدق بسرعة من غير سبب. ليه غابت كل ده؟
وفجأة.. الباب اتفتح. بس مش الموظفة اللي دخلت لوحدها.
دخل راجل طويل، لابس بدلة ميري، وورا اتنين عساكر.. وبالمعنى الأصح: البوليس!
الموظفة كانت واقفة وراهم، وشاورت عليا بصباعها وهي بتقول:
”هي دي يا حضرة الظابط.. هي دي الست اللي معاها الورق!”
أنا اتسمرت مكاني. الدم هرب من عروقي، ووقفت بصدمة وذهول وأنا بضم أدم لحضني وبسأل بصوت متقطع: “فيه إيه؟ أنتوا مين؟ وبتشاوروا عليا كدة ليه؟! أنا عملت إيه؟”
الظابط قرب مني، ملامحه كانت حادة وصارمة جداً، وبصلي بنظرة خلت ركبي تخبط في بعضها، وقال بلهجة جافة وصادمة:
”فيه إن جيلنا بلاغ من الموظفة هنا.. إن كل الأوراق اللي أنتِ شايلاها دي، من شهادة ميلاد الولد لقسيمة الجواز.. كلها أوراق مزورة تزوير كلي! اتفضلي معانا على القسم من غير شوشرة.”
في اللحظة دي، حسيت الأرض بتتهز من تحتي وأنا مش مستوعبة اللي بسمعه.. عقلي وقف كلياً… بس الصدمة دي مكنتش النهاية.. لأن اللي عرفته بعدها كان أسوء وأبشع بكتير من مجرد ورق مزور!!!!!!!
………
الدنيا اسودت في عيني، والظابط بيتكلم وأنا حاسة إن صوته جاي من حتة بعيدة أوي.. أدم بدأ يصرخ ويمسك في رجلي، وأنا مش قادرة أقف على طولي، دموعي نزلت مغرقة وشي وأنا بزعق بانهيىار: “تزوير إيه يا فندم؟! أنت بتقول إيه؟! ده جوزي، وده ابني، والورق ده كله مأذون اللي عامله في بيتنا! والله العظيم أنا ماليش دعوة بالحاجات دي!”
الظابط بصل لدموعي بنظرة شك، بس نبرته هديت سنة صغيرة وقال: “يا مدام الكلام ده مش هنا، اتفضلي معانا في الهدوء عشان الولد اللي مرعوب في إيدك ده”.
مشيت معاهم وأنا رجلي بتجرجر على الأرض، ركبنا البوكس والناس في الشارع بتبصلي كأني مجرمة.. أدم كان دافن رسه في حضني وبيموت من الخوف، وأنا عقلي شغال زي المكنة: طارق فين؟ معقول طارق ضحك عليا؟ طب ليه؟ طب والمأذون؟ طب وأمه؟!
وصلنا القسم، ودخلوني مكتب رئيس المباحث، راجل هادي وذكائه باين في عينه. قعدت على الكرسي وأنا بترعش، والظابط حط الأوراق قدامه على المكتب وقال: “يا فندم، دي الست اللي اتمسكت في المدرسة بأوراق مزورة.. قسيمة الجواز تزوير كلي، والشهادة متسجلة برقم قومي بتاع طفل متوفي من ست سنين!”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. طفل متوفي؟! يعني أدم ملوش وجود في الدولة؟! يعني أنا مش متجوزة أصلاً؟!
رئيس المباحث بصلي وقال بجمود: “اسمك إيه يا مدام؟”
رديت بصوت مبحوح: “منى.. منى عبد الرحمن”.
”وتعرفي منين اللي اسمه طارق ده؟”
حكيت له كل حاجة من سبع سنين لحد النهاردة، وبقيت أحلف بأي حاجة في الدنيا إني ضحية ومش فاهمة حاجة. الراجل سمعني للآخر، وبعدين سحب قسيمة الجواز وبص فيها، وقال للظابط اللي واقف: “اطلبلي طارق ده فوراً، وهاتلي برينت كامل عن الرقم القومي بتاعه”.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.