أدم نام من كتر العياط والتعب على الكنبة، وأنا فضلت صاحية.. عيني في السقف، وكل دقيقة بتعدي بتشرح في قلبي. أنا منى.. البنت اللي كانت بتخاف من خيالها، بقيت فجأة في مواجهة مع الدنيا كلها، من غير ضهر، ومن غير ورق، وبسمعة ملوثة في دفاتر الحكومة!
يومين مروا وأنا حابسة نفسي، مباكلش ولا بشرب، لحد ما الباب خبط. قومت وأنا مرعوبة، فتحت ولقيت محامي محترم، كان صديق لبابا الله يرحمه وعارفنا من صغرنا. أول ما شافني، وشه اتقلب بالأسى وقال: “أنا عرفت باللي حصل يا منى من واحد صاحبي في القسم.. يا بنتي إزاي تسكتي على نفسك كدة؟”
عيطي انهار تاني وقولتله: “أنا مكنتش أعرف يا عم أحمد.. والله العظيم كنت فاكراه راجل بجد! أنا ضعت.. وأدم ضاع، ملوش شهادة ميلاد، ومليش قسيمة جواز، أنا في نظر القانون إيه؟!”
عم أحمد قعد وحط إيده على دماغه بتفكير، وقال بنبرة جدية: “اسمعيني يا منى.. العياط مش هيحل حاجة، والوحش ده هرب ومش هيرجع، وإحنا لازم ننقذ الولد وننقذك أنتِ الأول”.
”أنقذ نفسي إزاي والورق كله تزوير؟!”
عم أحمد بصلي وقال: “إحنا هنرفع قض..ية ‘إثبات زواج’ وقض..ية ‘إثبات نسب’ لأدم.. هنجيب شهود من الجيران اللي شافوه وهو عايش معاكي بقاله سبع سنين، وهنطلب تحليل DNA لو اتمسك، أو هنجيب شهادة الجيران وإقرار بالمعاشرة الزوجية عشان نطلع لأدم ورق رسمي باسم أبوه الحقيقي ‘مسعد’.. مش هنسيب الواد يضيع”.
الكلام ريح قلبي شوية، بس كان فيه نار جوايا مش هتنطفي إلا لما المجرم ده يقع.
مرت شهور وأنا كعابي دابت في المحاكم.. نظرات المحامين، وأسئلة القضاة، وتحقيقات النيابة اللي كانت بتخليني أحس إني عريانة وقدام الناس كلها. كل جيراننا في المنطقة القديمة جم وشهدوا معايا، ووقفوا وقفة رجالة وقالوا إن الراجل ده كان عايش معاها على إنه جوزها علنًا قدام ربنا والناس.
وفي يوم، وأنا قاعدة عند عم أحمد في المكتب بنتابع القض..ية، تليفونه رن.. رد، ولقيته وقف فجأة وصوته اتغير: “أنت بتتكلم بجد؟! فين؟! طيب أنا جاي حالاً”.
قفل السكة وبصلي وعينه بتلمع: “اتمسك يا منى! مسعد اتمسك في كمين على طريق الإسكندرية وهو بيحاول يهرب ببطاقة مزورة تانية!”.
حسيت إن روحي رجعتلي.. قومت وقفت وقولت بقوة عمري ما حسيت بيها قبل كده: “أنا لازم أروح.. لازم أشوفه وهو مكسور زي ما كسرني!”.
روحت مع عم أحمد على النيابة، ووقفت ورا باب التحقيق.. ولما العسكري خرجه والكلابشات في إيده، شوفت طارق.. قصدي مسعد! مكنش طارق الحنين اللي عرفته.. كان وشه شاحن، وعينه زي التعالب، وهدومه مبهدلة.
أول ما عينه جت في عيني، حاول يدير وشه، بس أنا قربت منه ووقفت قدامه، وبقيت أبص له بنظرة مفيهاش دموع.. فيها غل وقرف.
وقفت وقولتله بصوت عالي وثابت سمعه كل اللي في الممر: “فاكر نفسك ذكي؟ فاكر إنك لما تسرق اسم، وتسرق عمر بنت، وتسرق مستقبل طفل، ربنا هيسيبك؟ أنت عشت جبان وهتموت في السجن محبوس زي الفئران.. وأنا ابني هربيه وهيبطل يشيل اسمك القذر ده، وهيطلع أنظف وأرجل منك يا مجرم!”.
مسعد بنذالة بص في الأرض ومطقش بكلمة، والعسكري شده ومشي بيه لزنزانته.. شوفت ظهره وهو ماشي وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.