زء الثاني قعدت على المكتب الخشب الصغير اللي في أوضتي، النور الخاڤت بتاع الأباجورة القديمة كان ضارب في الورقة البيضا. شبرا بالليل كانت هادية على غير العادة، صوت تكات الساعة على الحيطة كان زي عدّاد بيحسب الوقت اللي فاضل قبل الانفجار. مسكت القلم، وقسمت الورقة لتلات خانات الخانة الأولى ڤضيحة العمال السبب الحقيقي ورا المؤتمر والمسرحية اللي معمولة عشاني.
الخانة التانية الماضي والفلوس اللي اتنهبت من بابا زمان. الخانة التالتة المؤتمر الصحفي نفسه السلاح اللي ناوية تضربني بيه، ولازم يرتد في صدرها. شخبطت على اسم شريف مدير العلاقات العامة وكتبت جنبه المفتاح الأول. شريف ده مش مجرد موظف، ده الصندوق الأسود اللي بيلم ورا ميرفت كل مصېبة، وهو حلقة الوصل بين الفلوس اللي بتتدفع تحت الترابيزة وبين المقالات والصور اللي بتطلع في الجرايد.
الساعة كانت داخلة على اتنين بالليل لما سمعت خبطة خفيفة على باب الأوضة. خبيت الورقة بسرعة تحت كشكول قديم وقولت ادخل. الباب اتفتح ببطء، وكان أحمد أخويا. أحمد عنده تلاتة وعشرين سنة، في تخرجه من كلية هندسة قسم عمارة، شاب هادي وطيب واخد من ملامح وطيبة طنط ماجدة كتير، بس ذكي ولماح بشكل يخوف.
دخل وقفل الباب وراه وقعد على طرف السرير، فضل باصصلي شوية من غير ما يتكلم، وبعدين قال بنبرة هادية أمي مش عارفة تنام... قاعدة في الصالة بتسبّح، وعينيها منفوخة من العياط. بلعت ريقي وبصيت في الأرض أحمد... أنا مش هعمل حاجة غلط، ولا هبيعكم زي ما هي متخيلة. أنا عارف يا ياسمين، أنا أكتر واحد عارف انتي مين وبنت مين ومتربية إزاي... بس إنتي مش عارفة إنتي بتلعبي مع مين.
رفع حاجبه وسألني بصوت واطي الست دي هتدوسك لو حست إنك بتفكري بعقلك مش بعواطفك. هي مسألتش عنك تمانية وعشرين سنة، وظهرت فجأة أول ما سمعة شركتها اتهزت. إنتي فاكرة إني مش متابع السوق؟ مشروع أبراج النيل ده كان هيتوقف بقرار وزاري الأسبوع اللي فات بسبب شروخ وتلاعب في خرسانات الأساسات، غير التلات عمال اللي ماتوا لما السقالة وقعت بيهم ومكنش فيه حتى شبكات أمان.
المقاولين الصغيرين كلهم بيتكلموا في السوق، والشركة بتدفع تعويضات وهمية في الإعلام والناس على الأرض مخدتش مليم. بصيت لأحمد بذهول إنت عرفت كل ده منين؟ ابتسم بمرارة صحابي اللي اتخرجوا السنة اللي فاتت شغالين في مواقع مقاولات باطنة هناك. ميرفت بتضغط في المصاريف لأقصى درجة عشان تحقق هامش ربح خيالي، وبتاخد حديد وأسمنت مش مطابقين للمواصفات من مصانع متعثرة بأسعار تراب.
ميرفت بتغسل مليارات في المشروع ده، والمستثمرين الخليجيين شمو خبر ووقفوا ضخ الشريحة التانية من التمويل... يعني الست دي على حافة إفلاس مستخبي ورا بدلات غالية ومكاتب فخمة. كلام أحمد كان القطعة الناقصة في البازل. ميرفت مش بس بتنضف سمعتها، دي بتلعب آخر كارت قبل ما إمبراطوريتها كلها ټنهار، ومحتاجة تطلع بصورة الست الشريفة التقية اللي لقت بنتها عشان تكسب تعاطف الرأي العام وتلوي دراع المستثمرين والمسؤولين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.