بدأت ألاحظ إن كشف الحساب بيجيلي ناقص، وفيه تحويلات صغيرة بس مستمرة بتتسحب لحسابات مقاولات ومصالح أنا معرفهاش. كارت المشتريات اللي كنت سايباه مع حماتي للحالات الطارئة ومصاريف البيت في غيابي كان بيسحب أرقام فلكية في أماكن ملهاش علاقة بالبيت، وسوبر ماركت من الغالي جداً، وفواتير صيدليات لحاجات تخص شيرين وخالتها، وأنا أدفع وأقول معلش عشان خاطر أحمد والمركب تمشي.
لحد ما من تلات أسابيع بالظبط، كنت بنضف المكتب ولقيت دوسيه لونه أزرق واقع ورا الخزنة الصغيرة في أوضة الضيوف. فتحته بإيدي وفوجئت بصور بطاقتي وصور عقود الشقة وشهادات استثمار كانت بابا الله يرحمه سايبهالي، وكلهم معمول بيهم توكيل من ورايا، توكيل بيحاولوا يستخرجوه عشان يقدروا يتصرفوا في رهن الشقة للبنك ويسحبوا قرض بمليون ونص لمشروع مقاولات وتعلية لصالح شيرين وجوزها المستقبلي!
يومها قعدت على الأرض والدموع اتجمدت في عيني. مكنتش مصدقة إن الراجل اللي شاركته عشر سنين، اللي ساندته لما اتفصل من شغله القديم، واللي وقفت جنبه لحد ما وقف على رجليه، بيخطط بكل برود يرهن سقف بنته عشان يرضي أمه وأخته ويأمن ليهم حياتهم على قفايا! من اللحظة دي، بدأت أشتغل في صمت.
روحت للشهر العقاري، لغيت أي أثر لأي تفويض أو توكيل قديم اتعمل في يوم من الأيام، وروحت للبنك وغيرت كل تفاصيل الحساب، وسحبت أصول عقود الشقة وعقود الميراث من الخزنة ووديتهم في خزنة تانية خاصة بيا في فرع بنك بعيد تماماً عن منطقتنا، وحطيت في الخزنة القديمة صور طبق أصل مزيفة متلخبطة في الأرقام وتنازل صريح عن أي تصرف قديم.
وجمعت كل التسجيلات والإيميلات وكشوف الحسابات اللي تثبت السرقات دي على الفلاشة اللي في جيبي. وصلت العربية قدام العمارة. كان باين من تحت إن نور الشقة كله والع، وصوت الدوشة واصل لحد مدخل العمارة. نزلت من العربية ومسكت إيد مريم بقوة، وطلعت السلم خطوة خطوة، مش مستعجلة، مكنتش مرعوبة ولا قلبي بيدق بسرعة، كنت في قمة الهدوء، الهدوء اللي بيسبق الطوفان بالظبط.
طلعت المفتاح وفتحت باب الشقة بهدوء. أول ما الباب اتفتح، الصالة كانت في حالة فوضى عارمة. ريحة الزفارة والأكل المقلي قالية المكان، العلب الفاضية والمناديل المتوسخة مرمية في كل حتة، طرابيزة السفرة مقلوبة كأنها ساحة حرب، وحماتي الحاجة فاطمة قاعدة على الكنبة بتندب وهي حاطة إيدها على خدها، وشيرين واقفة في النص وماسكة تليفونها وعمالة تفرك وتزعق، وأول ما الباب عمل صوت، كلهم لفوا روسهم وبصولي بصة واحدة كأنهم شافوا عفريت.
حماتي أول ما شافتني، صوتها علّي فجأة وقالت بنبرة حامية جرى إيه يا هانم؟! إيه حركات قلة القيمة دي؟ سايبانا وقافلة الباب في وشنا ونازلة، ومخلية الراجل بتاع المحل يوقف عيالنا ويقول الكروت مرفوضة؟! ده إحنا اتفضحنا في المنطقة! بقى الست أم أحمد اللي كل الناس بتعملها حساب تطلع من مطعم مكسورة ويتقال عليها حسابها مش مدفوع عشان الهانم قفلت الفيزا؟ فضلت ساكتة وببصلها من فوق لتحت ببرود تام.
مريم انكمشت ورا ضهري ومسكت في عبايتي، فشاورتلها براحة ودخلتها أوضتها وقولتلها ادخلي يا مريم، اقفلي الباب وراكي ومتخرجيش إلا لما أقولك. قفلت مريم الباب، ولفت ليهم. في اللحظة دي خرج أحمد من أوضة المكتب وهو وشه شاحب زي الكركديه البايت، العرق نازل على جبينه كأنه كان بيجري ماراثون، وفي إيده ورق الدوسيه الأزرق متلخبط ومتبهدل. أحمد أول ما شافني، مشي نحيتي بخطوات سريعة وصوته كان بيترعش من الغيظ والتوتر ندى!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.