الطيبـة الزايـدة ج 2 حكـايات مني السيد حصري

نُشر منذ 4 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

صوت عمي فتحي على الإسبيكر قفل المكالمة برزعة خلت الهوا في الصالة يتقل كأنه خرسانة. التليفون فضل يسكت بعد الرنة الطويلة، والهدوء اللي عم فجأة كان أخطر من أي زعيق. بصيت لطارق ولقيت عروق رقبته نافرة، وإيديه مضمومة لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضت. عيالي كانوا باصين من باب أوضتهم، يوسف حاضن أخوه الصغير سيف وعينيهم فيها خوف كأنهم مستنيين غارة جوية.

قربت من طارق، وحسيت إن أي دموع هتنزل مني دلوقتي هتكون رخيصة وضعيفة، كفاية ضعف لحد كدة، الضعف هو اللي وصلنا للباب المقفول ده. حطيت إيدي على كتفه وقلت بصوت حاولت أخليه أثبت من الجبل طارق، استهدى بالله. بلاش تقابل النــ,,ـــــار بنــ,,ـــــار. عمك فتحي راجل كبير، ومامتك أكيد حكتله القصة مقلوبة زي ما هي عايزة تبان.. مظلومة وابنها افترى عليها.

طارق لف وشه وبصلي، وكان في نظرته مزيج من التعب والوجع اللي يهد الحيل عارف يا ندى.. عارف إنها هتقلبهالي مظلــ,,ـــــمة وإنها ست مكسورة الجناح طردتها في عز الضهر، بس اللي واجع قلبي بجد هو رخص الحركة. يعني مروة تاكل، وتخلي جوزها يتريق، ولما أدافع عن كرامة بيتي، يروحوا يجروا يستقووا بعمي الكبير؟! ماشي يا مروة..

القعدة دي مش هتخلص إلا على حق واضح، ولو فاكرين إن عمي فتحي هيخليني أطاطي وأكسر مراتي قدامهم، يبقوا ميعرفوش طارق. طب والعيال؟ سألته وأنا باصة ناحية الأوضة. العيال يدخلوا جوة، يوسف ياخد سيف ويقفلوا الباب، وميطلعوش مهما سمعوا صوت. وإنتِ.. تقفي جمبي، راسك مرفوعة، ومترديش غير لما أقولك، بس متنزليش عينك من عين حد فيهم. إحنا مغلطناش، وإحنا أصحاب حق.

دخلت الولاد، بوست راس يوسف وقلتله حبيبي، خليك جوة وذاكر لأخوك ومتقلقش خالص، بابا وماما مفيش حاجة هتحصلهم، بس ده عمو فتحي جاي يسلم ويمشي. يوسف هز راسه بذكاء يفهم أكتر من سنه، وقفل الباب وراه بالراحة. مرت نص ساعة تقيلة، كل دقيقة فيها بتمر كأنها سنة. عقارب الساعة في الصالة كانت بتكتك بصوت عالي كأنها بتعد تنازلي للمواجهة.

وأخيرًا، سمعنا صوت خطوات تقيلة وكثيرة طالعة على السلم، خطوات مفيهاش ذوق ولا استئذان، وفجأة، رن الجرس رنة طويلة ومزعجة، ومعاها خبطتين بكف الإيد على الخشب. طارق بصلي، أخد نفس طويل، وراح فتح الباب. دخل عمي فتحي الأول، لابس عبايته الرمادي وطاقيته البيضا، راجل في أواخر الستين، وشه مبيضحكش للرغيف السخن، وماسك عكازه في إيده بيخبط بيه في الأرض مع كل خطوة.

وراه كان عمي إبراهيم، راجل طيب شوية ومبيحبش المشاكل بس ماشي ورا فتحي في أي كلمة. ووراهم كان أحمد، جوز مروة، داخل عينه في الأرض وعامل نفسه الراجل المصلح والمحروق على العيلة، وأخيرًا، طلعت حماتي مسنودة على بنتها مروة، حماتي حاطة منديل على عينيها وبتمسح دموع مفيهاش أثر للبلل، ومروة ماشية وراها بصة بغيظ وكبرياء كأنها كسبت الحرب. اتفضلوا..

البيت بيتكم، قالها طارق بصوت هادي وجامد، مفيش فيه لا ترحيب زايد ولا عداوة، مجرد وقفة راجل متمكن من مكانه. عمي فتحي دخل وقعد على الكنبة الكبيرة في صدـ,,ـــر الصالة، سند عكازه بين رجليه، ومردش السلام على طول. استنى لما الكل يقعد؛ حماتي قعدت جنبه وهي بتشهق، ومروة وقفت وراها زي الحرس، وأحمد قعد على طرف الكرسي جمب عمي إبراهيم.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة