جلس كبار المشايخ والعُمد في صالون بيتنا، ورؤوسهم في الأرض من الخزي، يتقدمهم الحاج عبد الرحمن عم محمود، وحمايا اللي بدا عليه الانكسار الشديد بعد الفضيحة اللي جابتها أفعال مراته وبناته لسمعة عيلتهم في القرى المجاورة. كان أبويا قاعد في صدـ,,ـــر الصالة، وإلى جانبه أعمامي، ووجوههم جامدة زي الصخر، رافضين حتى تقديم واجب الضيافة المعتاد قبل ما يسمعوا هم جايين ليه.
تنحنح واحد من عمد القرى المجاورة، وهو راجل مسن له هيبة، وقال بصوت جهوري: “يا حاج أحمد، إحنا جايين لك النهاردة وفي وشنا عتب، وجايين نشيل العيبة اللي حصلت. إحنا عارفين إن اللي حصل مع بنتك نيرمين يزعل الحجر، وأفعال الحريم دي متقاسش على أصول الرجالة. محمود غلط، وأمه غلطت، وإحنا جايين لحد بيتك ونقولك حقك علينا، واطلب اللي ترضى بيه عشان نرجع العروسة بيتها والبيوت تتصلح.
” رد أبويا بنبرة حاسمة هزت أركان الأوضة: “يا معالي العمدة، الأصول دي تتقال لما يكون فيه رجالة صانت الأمانة. لكن لما بنتي تدخل بيتها بالزغاريد، وتاني يوم تنضــ,,ـــــرب وتتجوع وحاجتها تتسرق من شقتها، وجوزها يقفل عليها الباب بالمفتاح ويقف يتفرج على إهانتها، ويبقى مستخسر فيها لقمة تأكلها من أكل أبوها… يبقى الكلام عن الأصول هنا عيب! بنتي مش هترجع للبيت ده، ومحمود طلقها تلاتة بلسانه في شقتها، والبيوت اللي متصانش فيها كرامة الحريم، متلزمناش.
” وقع كلام أبويا زي الصاعقة على حمايا، اللي اتدخل بسرعة وصوته بيرتجف: “يا حاج أحمد، محمود ابني كان غايب عن الوعي ومن غضبه طلق، والطلاق في الغضب وسط المشاكل ملوش قوع، وإحنا مستعدين نكتب شقة نيرمين باسمها، ومحدش من حريم عيلتي يعتب عتبة شقتها تاني، بس بلاش خراب البيوت وفضايح القرى.” هنا وقف عمي الكبير وقال بحدة: “الكلام ده ملوش صرف عندنا.
بنتي تطلق رسمي عند مأذون، وحقها في القائمة يرجع تالت ومتلت بالمليم، والحلل اللي حماتك نازلة تسرقها الفجر عشان تطبخ فيها عزومتها، هتيجي في عربيات وترجع مكانها هنا!” عند ذكر قائمة المنقولات (القايمة)، لمحت نظرة مريبة تبودلت بين حمايا وأخوه عبد الرحمن، نظرة تطمنش القلوب. حاول الحاج عبد الرحمن يلطف الأجواء وقال: “يا جماعة، القايمة وحق البنت محفوظ، بس إحنا جايين للصلح ومش عايزين ندخل في محاكم وقضايا، ادونا مهلة يومين بس نهدّي النفوس، ومحمود هييجي بنفسه مع المأذون ونشوف الصيغة اللي ترضيكم.
” انتهت الجلسة من غير ما نوصل لقرار، وخرج وفد عيلة محمود بعد ما أصر أبويا إن الطلاق الرسمي هو الحل الوحيد، وإنه مش هيتنازل عن حق بنته القانوني والمادي. بس حدسي مكنش بيكذب أبداً. في اليوم اللي بعده، وبينما كنت قاعدة مع أمي في أوضتي وأنا بحاول أستوعب إزاي حياتي اتحولت لركام في 48 ساعة، رن تليفون أمي.
كانت المتصلة جارتي القريبة من بيت عيلة محمود في القرية الثانية، وهي ست طيبة كانت بتحبني وتستنكر اللي بيعملوه. قالت جارتي بصوت واطي مليان فزع وسرية: “الحقي يا نيرمين.. الحقي يا بنتي وبلغي أبوكي وأعمامك فوراً! محمود وأمه وخالاته جايبين عربية نقل مقفولة واقفة ورا البيت من الفجر، وشغالين ينقلوا في عفشك وجهازك كله من الشقة ويطلعوه برة البلد!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.