— بس! كفاية أنتوا الاتنين!صوت وكيل النيابة ضرب في أركان الأوضة زي الرعد، وسكتهم تماماً. النيابة بدأت تثبت الأقوال، وعمي حسين كان قاعد بيوقع وهو إيده بتترعش كأنه بيمضي على شهادة وفاة ابنه اللي كان مدّلعه. كل إمضاء كان بينزل معاه دمعة بتنزل على الورق، وشريف واقف جنبه، ماسك كتف أبوه بقوة، وشه مطبق ومفيش فيه أي رحمة تجاه أخوه.
الشرطة بدأت تعترف من خلال تليفون كريم المضبوط على تفاصيل الراجلين اللي هربوا من المطار، واتحركت مأمورية عاجلة لمداهمة الوكر اللي بيتم فيه تزوير الأختام.
بعد ساعات طويلة من التحقيقات المرهقة، وكيل النيابة أمر بحبس كريم أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهم التزوير في محررات رسمية واستعمالها، والشروع في النصب والاستيلاء على ممتلكات الغير، والتحفظ على منى لسماع أقوالها والتأكد من مدى تورطها كشريك. العسكري قرب من كريم ومسكه عشان ينزله الحجز تحت. كريم في اللحظة دي بص لشريف، ودموعه نزلت بغزارة، وصوته اتقطع من الرعب الحقيقي من النزول للظلمة:— شريف... والنبي يا أخويا متسبنيش... شريف أنا هموت تحت.
.. متخليهمش ياخدوني... قوله إننا متصالحين، قوله إنك مسامحني! عشان خاطر ربنا يا شريف متكسرنيش!شريف فضل باصص له، عينيه اللي كانت دايماً مليانة حنية وخوف على أخوه الصغير، اتحولت لكتلة من الحجر البارد، ورد عليه بجملة واحدة هادية بس قطعت كل حبل كان رابطهم ببعض:— اللي كسر نفسه وباع أهله يا كريم... مبيستناش من حد يرممه. القانون هو اللي هيحاسبك، وأنا حسابي معاك خلص في المطار.
كريم اتسحب لبرة، وصوت صريخه ونحيبه كان بيتردد في طرقة المحكمة لحد ما تلاشى تحت في السلالم. خرجنا من مبنى النيابة، كانت الساعة عدت نص الليل، والهوا بارد بيخبط في وشوشنا. عمي حسين كان ماشي بالعافية ساند على شريف، وعينيه شاردة في الفراغ، وأنا ماشية وراهم حاسة بتقل في صدري ميتوصفش. شريف فتح باب العربية وركب أبوه ورا، وقفل الباب براحة. وبعدين التفت ليا...
وقف قدامي في هدوء الشارع الفاضي، عيونه كانت حمرا ومرهقة، وفضل باصصلي ثواني طويلة، وفجأة، الراجل اللي عمري ما شفته مكسور طوال 14 سنة جواز، وطى راسه قدامي ومسك إيديا الاتنين وباسهم بدموع حرقت جلدي، وقال بصوت متكسر:— حقك عليا يا ندى.
.. أنا لو كنت دوست على "تأكيد" العصر... كان زماني دمرتك إنتِ وليلى ودمرت نفسي عشان واحد كان دابحنا وإحنا مش حاسين... لولا ليلى ولولاكي...سحبت إيدي وحضنت وشه بين كفوفي:— المهم إننا بخير يا شريف، المهم إن بنتنا وبيتنا محميين.
لكن وإحنا لسه بنركب العربية عشان نروّح، تليفون شريف رن برقم غريب...شريف استغرب، وفتح الخط وحطه على ودنه:— ألو؟جه صوت راجل غليظ وخشن من الناحية التانية، نبرته كانت هادية بس بتبث رعب حقيقي، وقال جملة خلت شريف يقف في مكانه ويتجمد دمه في عروقه:— مبروك إنك أنقذت ورقك وحبست أخوك يا باشمهندس.
.. بس الراجل الكبير اللي كان شغال مع كريم مبيسبش حقه يضيع بالساهل، وفلوس التحويل اللي كريم وعدنا بيها وما وصلتش، عيلتك لسه ملزمة بيها... ليلى بنتك في أمان دلوقتي في بيت جارتكم، بس يا ترى هتفضل في أمان لحد الصبح؟الكلمات وقعت على ودن شريف كأنها صعقة كهربائية قطعت عنه النفس.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.