شريف جرى على أبوه وسنده قبل ما ركبه تخونه وتقع بيه:— اقعد يا بابا، وحد الله واقعد هنا على الكرسي. عمي حسين قعد ببطء كأنه شال جبل فوق كتافه فجأة، عيونه الزايغة اتحولت من كريم للورق المفروش على مكتب وكيل النيابة، وبعدين لمح الأكياس المخملية الحمرا المفتوحة... علبة دهب مراته. إيده المرتعشة امتدت بحذر ولمست غويشة قديمة، وبص لشريف بنظرة تاهت فيها كل ملامح العقل:— دهب أمك يا شريف؟
... ودهب خالتك؟... ده أنا كنت سايب المفتاح معاه الصبح عشان يجيب شهادة ميلاده من الدرج... ده كان طالع يستلم شغله الجديد... كان رايح يرفع راسنا...وكيل النيابة شاور لعسكري عشان يجيب كوباية مية للراجل العجوز، وبعدين عدل نضارته وبص للكل بصرامة هادية:— اهدى يا حاج حسين، واسمعني كويس.
إحنا هنا عشان نثبت الحقوق قبل ما تضيع، والحمد لله إن الضبطية تمت قبل ما المتهم يتخطى الدائرة الجمركية. عمي فايق قرب ودموعه مغرقة تجاعيد وشه، حط إيده على كتف عمي حسين وقال بصوت مخنوق:— سامحني يا حسين...
أنا اللي المفروض كنت أصارحك من أسبوعين، بس كنت خايف على صحتك ومكنتش متخيل إن فجوره يوصل لكده. شريف التفت لعمي فايق وسأله بحدة وغضب لسه بيغلوا جواه:— احكي يا عمي فايق! الراجل اللي كان في المطار ببدلة رمادية ده كان شغال مع مين؟ وليه كريم كان بيضغط عليا أحول مليون جنيه على حساب معين؟
المليون دول كانوا بتوع إيه طالما هو بايع وسارق كل ده؟!وكيل النيابة هو اللي رد على شريف وهو بيشاور على أوراق رسمية قدامه:— أنا أجاوبك يا باشمهندس. المليون جنيه دول مكنوش تمن هروب ولا سداد ديون وهمية زي ما حاول يوهمك.
المليون دول كانوا "عمولة التسييل" اللي طلبتها الشبكة علشان يتمموا نقل العقارات المزورة دي لأسماء ناس تانية برة البلد ويحولوها لحسابات أوفشور مشبوهة. الشبكة دي كانت بتستدرج الشباب اللي عندهم أطماع سريعة زيه، يزوروا التوكيلات ويحطوا إيدهم على عقارات عائلاتهم، وبما إن التحويلات الدولية محتاجة مصاريف وتغطية بنكية فورية عشان ما تتجمدش، العصابة خيرت كريم: يا يدفع المليون كاش أو تحويل فوري عشان يضمن نصيبه اللي يتجاوز الـ 15 مليون بعد البيع، يا إما هيسلموه بالأوراق المزورة اللي معاه للشرطة!
أنا شهقت وحطيت إيدي على بقي. يعني كريم مكنش بس بيسرقنا... ده كان عايز شريف يدفع من جيبه وشقى عمره تمن الجريمة اللي هتجرده هو وأبوه وأمه من كل مليم يملكوه في الدنيا! كان عايز شريف يمول عملية سرقة شقته وشقة أبوه بإيده!
منى في اللحظة دي صرخت من ورا بانهيار وهي بتبص لوكيل النيابة:— والله العظيم ما كنت أعرف إنه مزور الورق! هو قالي إنهم متفقين وإن شريف وأبوه راضيين وإنه هيديهم نصيبهم لما نسافر! أنا مليش ذنب أتحبس معاه!
أنا عايزة أطلق! طلعوني من هنا!كريم رفع راسه فجأة وبصلها بعيون مليانة شر وحقد دفين:— تطلقي؟! دلوقتي بقيتي بريئة وملكيش دعوة؟! مين اللي كانت بتزن ليل ونهار وتقولي "أخوك شريف عنده شقة تمليك وعربيات ومستقر وإنت شغال عبد في الشركات بملاليم"؟! مين اللي حجزت الفنادق الخمس نجوم والرحلات في روما قبل ما الورق حتى يخلص؟! إنتِ اللي كنتِ بتدوسي على بطني وتقوليلي أتصرف عشان نعيش زي الباقيين!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.