دخلت بيتهم لوحدي. منى فتحت الباب. قلت لها: — أنا عايزة أسأل مريم إذا كانت موافقة تعمل التحليل. لو قالت لأ، الموضوع ينتهي. منى بصتلي لحظة، وبعدها بعدت من الباب. مريم كانت قاعدة على الكنبة، رجلها مضمومة تحتها. قعدت بعيد عنها. وقلت: — تحبي تعرفي إذا كان في علاقة بيننا؟ بصتلي وقالت: — إنتِ أصلًا مقتنعة إني بنتك. — أنا شايفة إن ده ممكن يكون حقيقي… بس أنا مش عارفة. — وإيه الفرق؟ سكت.
وبعدين سألتني: — لو طلعت أنا مروة… هيحصل إيه؟ أول إجابة جات في دماغي كانت: “هترجعي بيتك.” لكن لما بصيت حواليها… شفت الجزمة مرمية تحت الكرسي. شنطتها جنب الحيطة. وصورة ليها مع منى وهما بيضحكوا جنب تورتة عيد ميلاد. فهمت إنها مش طفلة هترجع من مكان وتبدأ حياتها من جديد. دي بنت عندها حياة كاملة.
قلت: — هنفهم الدنيا واحدة واحدة. — ومين اللي هيقرر؟ — إنتِ ليكي رأي في كل حاجة. بصتلي: — حتى لو رأيي مش على مزاجك؟ — حتى لو مش على مزاجي. وافقت تعمل التحليل بطريقة رسمية. اليوم اللي بعده، منى جابت ملف قديم وقعدنا كلنا على ترابيزة السفرة. قالت: — أنا بصيت في الورق ده مئات المرات.
قلت: — طب نبص تاني. مريم فضلت فوق بإرادتها، وأنا احترمت ده. في نص الملف، لقيت ورقة قديمة. كانت بتتكلم عن طفلة صغيرة اتلاقت نايمة جنب نهاية خط أتوبيس، في نفس اليوم اللي مروة اختفت فيه. حطيت الورقة قدام كريم. قال: — مروة عمرها ما كانت هتركب أتوبيس لوحدها. قلت: — كان في موقف أتوبيس قدام البيت. — بس كانت عندها أربع سنين. — كانت بتركبه معايا.
وفجأة افتكرت حاجة قديمة. مرة مروة سألتني: — هو الأتوبيس بينام بالليل؟ بصيت لكريم. — كانت تعرف الأتوبيس ده. الورقة كانت بتقول إن الطفلة ركبت الأتوبيس وسط ركاب تانيين، وبعد كده اتلاقت نايمة قرب آخر الخط. كانت تعرف اسمها الأول. وكانت بتنادي الناس “ماما” و”بابا”. لكن لما سألوها عن بيتها، كانت بتدي وصف طفولي جدًا: “البيت الأصفر.” “قدام الأتوبيس.” “جنب الشجرة اللي فيها مرجيحة.” منى طلعت ورقة تانية.
— المعلومات اللي كانت مسجلة عنها في الأول ما كانتش متطابقة. بصيتلها. — يعني إيه؟ حسام قال: — البيانات الأولى كانت ناقصة ومش متسقة، وبعدها المعلومات دي فضلت تنتقل من ملف لملف. سألت: — ومحدش ربطها بمروة؟ هز راسه. — لأ. بدأت الصورة تتجمع قدامنا. مفيش حد كان عارف الحقيقة وقتها. مفيش حد أخد طفلة مننا وخباها. الطفلة اتوجدت، ودخلت في رعاية مؤقتة، وبعدها انتقلت لأسرة من خلال الإجراءات الرسمية.
وبمرور السنين، منى وحسام بقوا هما أهلها قانونيًا. كريم قام من مكانه بسرعة. — يعني هي كانت موجودة؟ بصيتله. — ممكن. — كانت في مكان آمن وإحنا بندور عليها؟ صوته اتكسر. أنا مسكت إيده. — إنت ما رميتهاش بعيد. قال: — أنا ما شوفتهاش وهي بتخرج. — وأنا عارفة. الحقيقة كانت موجعة. مش لأن في شخص واحد نقدر نكرهه. لكن لأن سلسلة من الأخطاء حصلت ورا بعض، ومحدش اكتشف الرابط بين طفلتين: واحدة اختفت، والتانية اتلاقت.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.