خدامه الشيخ

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

افتكر والدته، اللي كانت دايمًا تقول له وهو صغير يا راشد، لما تكبر ويبقى عندك ناس بتشتغل عندك، افتكر إنك بتدفع لهم مقابل شغلهم، مش بتشتري كرامتهم. الكلمات دي فضلت معاه سنين طويلة. ومع إنه كان رجلًا صارمًا في العمل، وكان بيتوقع من الناس الالتزام، لكنه كان مؤمنًا إن المسؤولية مش معناها إن الإنسان يبقى قاسيًا. فتح درج مكتبه، وطلع صورة قديمة لوالدته وهي واقفة في مطبخ بيتهم. ابتسم ابتسامة خفيفة.

ثم رجّع الصورة مكانها، ورجع يبصّ للأوراق. كان عارف إن مريم مش الوحيدة اللي ممكن تكون بتشتغل وهي تعبانة، وإن فيه موظفين كتير بيسكتوا عن احتياجاتهم خوفًا من فقدان وظائفهم. وعشان كده، قرر إن التغيير لازم يكون حقيقيًا، مش مجرد رد فعل لموقف حصل في ليلة واحدة. في الأيام اللي بعدها، اتراجع جدول الشغل، واتوزعت المهام بطريقة أفضل، وبقى فيه وقت راحة محدد لكل مجموعة من العاملين.

ولأول مرة من فترة طويلة، بدأ الموظفون يحسوا إن بإمكانهم يقولوا إنهم مرهقون من غير ما يخافوا إن ده معناه إنهم مقصرون. أما مريم، فرجعت بعد يومين من الراحة، وهي أكثر هدوءًا وثقة. دخلت القصر، وبدأت شغلها كالمعتاد. لكنها لما مرت قدام جناح الشيخ، وقفت للحظة وبصّت للباب. افتكرت الليلة اللي نامت فيها من غير قصد، واللحظة اللي صحيت فيها وهي خاېفة على مستقبلها.

ما كانتش تتخيل إن غلطة صغيرة زي دي ممكن تكشف مشكلة أكبر، وتغيّر طريقة التعامل مع العاملين كلهم. وفي نفس الوقت، فهمت إن الاعتذار والاعتراف بالغلط مش دايمًا بيؤديان للعقاپ، وإن فيه أشخاص ممكن يسمعوا الحقيقة قبل ما يحكموا على صاحبها. النهاية اللي ما حدش توقعها! بعد مرور أسبوع، كانت مريم بتجهز بعض الأغراض في الدور التاني، لما قابلت الشيخ راشد في الممر.

وقفت على جنب بسرعة، وانحنت باحترام. صباح الخير يا سيدي. راشد ردّ صباح الخير يا مريم. عاملة إيه؟ السؤال البسيط فاجأها، لأنها ما كانتش متعودة إن الشيخ يسألها عن حالها. الحمد لله يا سيدي، كويسة. والدتك أخبارها إيه؟ مريم رفعت عينيها بدهشة. الحمد لله، أحسن شوية. شكرًا لسؤالك يا سيدي. هزّ رأسه. كويس. وخلي بالك من نفسك. مريم ابتسمت بخجل. حاضر يا سيدي.

وبعد ما مشي، فضلت واقفة للحظات، مش لأنها كانت بتتوقع منه معاملة خاصة، لكن لأنها اكتشفت إن الشخص اللي كانت شايفاه بعيدًا جدًا عنها، ممكن يتعامل معاها باحترام من غير ما يقلل من شأنه أو من شأنها. أما راشد، فكمّل طريقه لمكتبه، وهو عارف إن احترام العاملين مش محتاج خطب طويلة، ولا قرارات استثنائية في كل مرة. أحيانًا بيبدأ من حاجة بسيطة جدًا إنك تسمع الشخص قبل ما تحكم عليه.

ومن يومها، بقت مريم أكثر حرصًا على شغلها، لكنها ما عادتش تخاف من إنها تطلب الراحة لما تكون محتاجاها. والشيخ راشد ما نسيش اللي حصل، لأنه كان درسًا له هو كمان. درس إن القصور الكبيرة ممكن تكون مليانة أثاث غالي، وأسرّة فاخرة، وستائر من أغلى الأقمشة، لكن كل ده مالوش قيمة لو الناس اللي بتحافظ على المكان بتتعب في صمت، ومحدش بيسأل عنها.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة