أسماء لقت شغل عاملة في مشتل شجر ونباتات زينة قريب من المنطقة. اليومية كانت على القد، بس المواعيد ثابتة والمكان مكنش بعيد أوي عليها. كانت بتحب الزرع. وهي بتقصقص فروع الجهنمية أو بتنقل شتلات الفل والياسمين، كانت بتحس إن في حاجات في الدنيا قادرة تعيش وتخضّر حتى لو ا. عوها من جدرها من غير رحمة. صاحب المشتل لاحظ شطارتها وأمانتها في وقت قليل ما شاء الله عليكي يا ست أسماء، شغالة في المشتل كأنه ملكك!
اللي وراه أربع بطون مستنية لقمة العشا يا حاج، مبيعرفش يضيع ثانية واحدة. واحدة واحدة، وببركة ربنا، الحال بدأ يتعدل والدنيا تهدى. وفي أيام الجمعة لما تاخد إجازتها، كانت أسماء ترجع لحاجة بتحبها من زمان تجديد وسمكرة الموبيليا القديمة. مكنش معاها فلوس تشتري خشب جديد، فكانت تدور على كراسي مکسورة أو أدراج قديمة الناس رامياها جنب المقالب، تاخدهم وتصلحهم وترجع فيهم الروح بلون دهان جديد.
وفي عصر يوم وهي راجعة من المشتل، عينيها لمحت حاجة مرمية جنب صناديق الژبالة الكبيرة. دولاب قديم وضخم جداً، من طراز زمان...خشبه كان أرو غامق وتقيل، والحلايا بتاعته محفورة يدوي بدقة، وضلفه منقوش عليها أشكال ورسومات كانت ملامحها هربانة من كتر السنين والتراب. أسماء وقفت قدامه مبهورة مين الأعمى اللي يرمي تحفة زي دي في الژبالة؟!
ندهت على كريم، ونادت على راجل جارهم اسمه عم شحاتة، وبخمسين جنيه رضي يساعدهم يزقوه على عربية كارو ويدخلوه حوش البيت الصغير المسقوف بصاج. الدولاب كان تقيل كأنه خزنة حديد مش خشب. وكان مقفول بترباس وقفل محكوم...أسماء فضلت تدور حواليه شافت تحت القوايم، بين الشقوق، مسحت بضوافرها كل فحر... مفيش ولا حس لمفتاح. مرت أسابيع ورا أسابيع...دوامة الشغل والمدارس والطلبات نستها الدولاب، ومقربتش منه لحد ما دخل برد الشتا في طوبة.
... في يوم جمعة، جابت مفك عادة ومطرقة صغيرة وقعدت قدامه عشان تفك طبلة الكالون. أما نشوف إيه سرك وإيه اللي مستخبي جواك، همست لنفسها. عافرت مع الخشب براحة عشان ميتجرحش...تكة حديد فرقعت....وصوت تزييق خشب قديم ملأ الحوش الصغير. الباب اتفتح بالراحة وببطء شديد. أسماء بصت جوة، وإيدها سابت المفك وقع رن على البلاط. رجعت لورا فجأة لحد ما ضهرها خبط في الحيطة ونَفَسها اتقطع. جوة الدولاب، كان في كذا چثة بشړية.
.. مبيتأثروش وساكتين، متلبسين هدوم من زمن قديم ومحشورين جنب بعض بالعافية كأنهم مخنوقين. واحدة منهم كانت عينيها مفتوحة على وسعها وبتبص في عتمة الدولاب. وكانت باصة لأسماء بالظبط، كأنها بتستنجد بيها. أسماء حاولت تصرخ وتستغيث، بس صوتها اتحبس في زورها وملحقهاش. يدوب نطقت بصوت بيترعش يا ساتر يا رب... يا لهوي، أنا دخلت بيتي إيه؟! ومكنتش تعرف لسه إن الخشب القديم ده شايل وراه سر هيقلب حياتها كلها رأساً على عقب.
الجزء الثاني ١. خضة المۏت ونور الكشاف فضلت أسماء متسمرة في مكانها وضهرها لازق في حيطة الحوش، رجلها مش شايلاها، وريحتها العرق الساقع اللي بينزل من قفاها مع كل نفس مقطوع. الحوش الصغير المسقوف بألواح الصاج كان كاتم الصوت، بس خبطة المفك والمطرقة على البلاط عملت صدى عالي جوة الشقة. ماما؟! أنتي كويسة؟ صوت كريم جه من المطبخ، وجري على الحوش وبإيده قماشة كان بيمسح بيها إيده من الفول والزيت.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.