. كانوا كيانات غريبة، جلودهم بتلمع كأنها مدهونة بالزيت، وعيونهم وسعت لدرجة مخيفة. محمود رمى عود الكبريت في الفتحة اللي أنا بنزل فيها، وهو بيقول النــ,,ـــــار هي اللي بتشكل الشمع يا هدى.. والنــ,,ـــــار اللي جواكي هي اللي هتصهرنا كلنا في جسد واحد. وقعت فجأة في مكان واسع جداً ومظلــ,,ـــــم، بس مش هو السرداب اللي شفته من شوية. المكان ده كان ريحته رحم.. ريحة حياة بدائية وقديمة.
النور الفوسفوري بدأ يظهر تاني، وشفت إن المكان مليان ممرات مش بتنتهي، وكل ممر فيه تماثيل لناس تانية خالص، ناس مكنتش أعرفهم بس شكلهم كان مألوف، وكأنهم سكان المنطقة اللي اختفوا على مدار السنين. وفجأة، سمعت صوت زينب تاني، بس مكنش طالع من الست العجوزة، الصوت كان جاي من كل الجدران متخافيش.. الوجع لحظة، والخلود أبدي. حسيت بحاجة سخنة بتنصب فوق راسي، سائل لزوجته عالية وبدأ يغطي كتافي وينزل على جسمي.
. شمع. بدأت أتصلب، حركتي بدأت تتقل، وفي اللحظة اللي الشمع وصل فيها لوشي، شفت ياسين نازل من السلم اللي فوق وهو ماسك في إيده مراية قديمة. وقف قدامي ووجه المراية لوشي وهو بيهمس شوفي نفسك لآخر مرة.. قبل ما تبقى الأم لكل اللي جايين. في المراية، مشفتش وشي.. شفت وش زينب، وشفت محمود وهو واقف وراها ليلة الدــ,,ـــــادثة، وشفت الحقيقة اللي كانت غايبة؛
مكنش فيه دــ,,ـــــادثة، ومكنش فيه اختفاء. محمود وزينب مكنوش بشر، والبيت ده مكنش سكن.. ده كان مصيدة بتدور على قلب طيب يغذيها كل 12 سنة. الشمع غطى عيني تماماً، ومبقتش شايفة غير سواد، بس سمعت صوت محمود وهو بيقول بوضوح جهزي نفسك يا هدى.. فيه عيلة جديدة جاية بكرة، ولازم تستقبلي التسعة الجداد بضحكتك اللي بتطمن.. زي ما عملت زينب معاكي زمان. فجأة، حسيت بقلبي بيقف، وبدأت أحس إني بقيت خفيفة.
. خفيفة جداً، وكأني بقيت مجرد فكرة.. فكرة بتسكن تمثال. وفوق في الصالة، سمعت صوت تليفون البيت بيرن من تاني، وصوت ياسين وهو بيرد بمنتهى الأدب أيوة يا فندم.. إحنا 9 أطفال يتامى، ومحتاجين حد يرعانا في البيت ده.. حضرتك خالتنا اللي بابا حكالنا عنها؟ ساد الصمت للحظة، صمت تقيل كأنه وزن الجبل اللي انطبق على صدـ,,ـــري.
وفجأة، سمعت صوت شهقة قوية، كأن روحي بترجع لجسمي من مسافة بعيدة. فتحت عيني، لقيت نفسي واقفة في نص الصالة، النور شغال، والبيت هادي تماماً.. مفيش أثر لمية سودا، ولا سرداب، ولا شمع. بصيت لإيدي، كانت طبيعية، مفيش أي أثر للحروق أو الشمع المتجمد. كان حلم؟ همست لنفسي وأنا بمسح العرق اللي مغرق وشي. لكن لما رفعت راسي، لقيت ال 9 ولاد واقفين حواليا في دايرة كاملة، سكتين، وعينيهم مركزة عليا بنظرة واحدة غريبة.
. نظرة خالية من أي براءة. ياسين قرب مني، كان لابس هدوم خروج نضيفة وريحته بخور من اللي كانت في السرداب. مد إيده وباس راسي وقال بصوت هادي يقطّع القلب حمد الله على السلامة يا ماما زينب.. أخيراً روحك استقرت في الوعاء الصح. جسمي اتنفض، وحاولت أقوله أنا خالتك هدى، بس الصدمة لجمت لساني لما بصيت في مراية الصالة.. مكنتش هدى.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.