حكاية نورين وريان ج 1 حكـايات مني السيد حصري

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

قربت منه على طراطيف صوابعي، شديت الغطا عليه وبوست راسه. دخلت المطبخ الصغير، ولعت على كنكة الشاي وطلعت جبنة وعيش عشان أعمله السندوتشات اللي بياخدها معاه المدرسة. وأنا واقفة قدام البوتاجاز، عنيا راحت على الموبايل اللي كان محطوط على الرخامة. افتكرت ريان وكلامه في العربية، وافتكرت الجملة اللي رماها بهزار لما قال إنه هيطمن إني معملتش محضر خطف.

ضحكت بيني وبين نفسي وأنا بهز راسي، وقولت أكيد راجل زيه مشاغله كتير، وكلامه كان يدوب ذوقيات ولاد بلد عشان الموقف اللي حصل. نزلت من البيت مع عمر، وصلته لمدرسته الحكومية اللي في أول الشارع، وأخدت أنا ميكروباص رايح على المدرسة الخاصة الكبيرة اللي بشتغل فيها في التجمع. المدرسة دي كانت عاملة زي عالم تاني منفصل تماماً عن الحي الشعبي اللي ساكنة فيه.

مساحات خضرا واسعة، مباني مودرن، وعربيات من آخر موديل بتدخل وتخرج من البوابات. طول ما أنا ماشية في الطرقة بتاعة الكيدز إيريا وبوزع اللوح والألوان اللي اشتريتها في الفصل، كان كل همي أرتب اليوم وأجهز نشاط الرسم اللي وعدت الولاد بيه. في وقت البريك، كنت قاعدة في أوضة المدرسين بصلح كشاكيل النشاط. الباب اتفتح ودخلت ريهام وميادة، وكان باين على وشوشهم إنهم بيدوروا على أي حد يتسلوا عليه.

ميادة رمت شنطتها على الترابيزة وقعدت تحط روج في المراية، وبصتلي في الانعكاس وضحكت بخبث إيه يا نورين، وصلتي البيت إمبارح بالسلامة ولا فضلتي بايتة في محطة الميكروباص لحد الصبح؟ ريهام قعدت جنبها وهي بتشرب عصير تلاقيها لقت توكتوك يدخلها الحارة يا بنتي، إنتي عارفة إن المواصلات دي أسلوب حياة لناس معينة، فيه ناس كده ربنا خلقهم عشان يعافروا في الزحمة وميعرفوش يعيشوا غير فيها.

أنا مكنتش حابة أعمل دوشة ولا أدخل في نقاش ملوش لازمة، كملت تصليح في الورق اللي قدامي وبرود تام الحمد لله روحت في معادي وعمر مكنش قلقان، وشكراً على سؤالكم اللطيف. ريهام لوت بوزها ومردتش، وميادة كملت كلام في مواضيع تانية عن الهدوم والشوبينج وعربيتها اللي ناوية تغيرها وتجيب حاجة أحدث. أنا قفلت الكشكول وخرجت من الأوضة كلها.

اتعودت إن كلامهم ميهزنيش، لأن اللي شايل هم بيت ومسؤولية عيل يتيم، ميبقاش عنده رفاهية إنه يتأثر بتفاهات ناس كل همها المظاهر وقشور الدنيا. عدى اليوم الأول، والتاني، والتالت، وأنا في نفس الدايرة اللي بتلف بيا كل يوم. شغل في الحضانة من الصبح، بعد الضهر دروس خصوصية خفيفة عشان أزود الدخل، وبالليل مذاكرة لعمر وأكل وتنضيف. ريان رن عليا في اليوم التاني بعد العصر، كنا بنتكلم مكالمة قصيرة مفيهاش أي خروج عن حدود الأدب.

سألني عن يومي، وعن عمر وعمل إيه في المدرسة، وسألني لو الأدوات نفعت في الفصل والولاد فرحوا بيها. طريقته كانت غريبة، مكنش بيحاول يتكلم عن نفسه خالص ولا يتباهى بأي حاجة، كان بيسمع أكتر ما بيتكلم، وأنا لقيت نفسي بحكيله بتلقائية عن تفاصيل صغيرة عن شغلي وعن الصعوبات اللي بتقابلني. كان بيكتفي إنه يقول ربنا يقويكي يا نورين، إنتي بتعملي حاجة كبيرة أوي بس يمكن إنتي مش حاسة بقيمتها عشان متعودة عليها.

جه اليوم الرابع، وكان يوم خميس. من أول ما دخلت من بوابة المدرسة الصبح، حسيت إن فيه حالة طوارئ غير طبيعية. عمال النظافة كانوا بيجروا في كل حتة، بيمسحوا الرخام بمطهرات ريحتها فاقعة، والزرع كان بيتقص ويتسقى بعناية، والأمن عند البوابة كان لابس اللبس الرسمي ومتشنج. حتى مديرة المدرسة، مدام ماجدة، اللي نادراً ما بنشوفها بتتحرك من مكتبها المكيف، كانت رايحة جاية في الطرقة وبتزعق في المدرسين والعمال عايزة كل حاجة بتلمع، مش عايزة غلطة واحدة النهاردة!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة