سلفى حكايات رومانى مكرم 3

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

فتح أبواب المستشفى بماله وحضوره، وجلب كبار الأطباء، وظل واقفًا على قدميه طوال ثماني عشرة ساعة متواصلة دون أن يذوق طعم النوم أو قطرة ماء. كان يمسك بيد أبي الكبيرة، ويقبّلها ويعده بدموع صادقة: — محمود أخويا يا حاج مصطفى، وحق ربنا لو احتاج قلبي لأشيله من صدـ,,ـــري وأديهوله! حين خرج الطبيب ليؤكد أن محمود تجاوز مرحلة الخطر بفضل سرعة نقله ورعايته في الساعات الأولى، انهار إبراهيم ساجدًا على أرض المستشفى يبكي بحــ,,ـــــرقة وشكر لله.

في تلك اللحظة بالذات، انك. سر الجزء الأخير من الجدار الجليدي في قلبي. رأيت في عينيه الندم الذي تحول إلى شهامة، والتسرع الذي انثقل إلى رجولة حقيقية تُعتمد في الشدائد. لم يكن يمثل، ولا كان يحاول كسب رضايا، بل كان يفعل ذلك لأنه أدرك أخيرًا معنى أن يكون “سندًا” للبيت وللأهل. مر أسبوع آخر، واسترد محمود عافيته وعاد إلى البيت على قدميه.

وكان أول ما فعله أخي محمود بعد أن استجمع قوته، هو أن أمسك بيدي وأخذني إلى صالة بيتنا حيث كان أبي وإبراهيم يجلسان. نظر محمود إلى إبراهيم وقال له بصوت نابع من القلب: — أنت شلتني على ظهرك وقفت جنبي في مو. تي يا إبراهيم… الراجل اللي يظهر في الشدة بالشكل ده، يأتأمن على روح أخته وهو مطمن.

التفت أبي إليّ، وابتسامة هادئة تعلو وجهه الطيب: — الست شهور خلصوا يا شيماء… وأظن إبراهيم دفع ثمن غلطته وزيادة، وأثبت إنه راجل يصون ويحمي. القرار قرارك يا بنتي. نظرت إلى إبراهيم. كان يقف حابسًا أنفاسه، ويداه ترتجفان بانتظار الكلمة التي ستحدد مصير حياته. رأيت في وجهه شحوب الأيام الماضية، ورأيت نضجًا جديدًا خطته التجارب والقسوة. ابتسمت ببطء، وقلت بصوت هادئ ومستقر: — أنا جاهزة أرجع بيتي يا إبراهيم… البيعة كملت، والدرس اتعلمناه كلنا.

في اليوم التالي، كانت العودة مبهجة كأنها حفل زفاف جديد. لم أعد إلى البيت مكسورة أو مجبرة، بل عدت مالكة للشقة بعقد رسمي، ومالكة لكرامتي وشرفي أمام الشارع كله. دخلت الشقة التي شهدت الظلــ,,ـــــم والصرخات، لكنها هذه المرة كانت تعبق برائحة البخور والورد. وقف إبراهيم عند الباب، وأصرّ ألا أطأ العتبة بقدمي، بل حملني بين يديه وأدخلني إلى الصالة وهو يبتسم بدموع الفرح.

وضعني على الأريكة، وجثا على ركبتيه أمامي، وأخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة، فتحها ليريني مصاغي الذهبي بالكامل، ومعه قطعة ذهبية جديدة ثقيلة أشتراها لي ليجبر بها خاطري. وقال وهو ينظر في عيني بصدق مطلق: — ده مش عشان أشتري خاطرك يا شيماء… ده عشان أفكرك كل يوم إنك جوهرة بيتي، وإن اللي يفرط فيكِ ما يستاهلش يعيش.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
950مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة