لكن قبل أن يتكلم محمود أو يتدخل أحد من إخوتي، حدث ما لم يكن في الحسبان. جاء صوت حاد وقوي من أخر الشارع: — أقفِ عندك يا أم حسن! ما تتكلميش عن الشرف والأمانة وأنتِ ابنك الصايع هاربان من الشرطة! التفت الجميع، ليروا إبراهيم قادمًا بخطوات سريعة. لم يكن إبراهيم الذي ينصاع لكلام أمه؛ كان رجلاً أحــ,,ـــــرقه الندم وأعادت التجربة صياغته.
وقف إبراهيم بين أمه وبين بيت أبي، وقال بصوت هز الشارع كله: — أنتِ جاية تعملي نمرة هنا يا أمي؟ جاية تتبلي على مراتي تاني بعد ما قدام البواب والجيران؟ الفلوس اللي كنتِ عايزة تسرقيها أنتِ وحسن عشان الكمبيالة، بقت باسم شيماء بحقها وكرامتها! وأخويا حسن اللي بتدافعي عنه، لو ما سلمش نفسه للشرطة في قضية الكمبيالة، أنا اللي هبلغ عن مكانه!
ذهلت حماتي، وتراجعت خطوتين للوراء وهي تصيح: — بتبيع أمك وأخوك عشان خاطر البت دي يا إبراهيم؟ رد إبراهيم بجمود لم أره فيه قط:— أنتِ اللي بعتيني لما جيتي تظلــ,,ـــــمي وليتي وتلبسيها تهمة سرقة وهروب! أنتِ وأخويا حسابه معايا انتهى. المصروف هتوصلك نفقته لحد باب بيتك، لكن خطوة واحدة ناحية شيماء أو بيتها تاني، هقاطعك ليوم الدين!
انفضت التظاهرة، وخرجت حماتي تجر أذيال الخيبة والفضيعة أمام أهل المنطقة كلهم، بعد أن انكشفت حقيقة ما فعلته هي وحسن. أما حسن، فقد ضاقت عليه الأرض. صاحب الكمبيالات لم يرحمه، ورفض إبراهيم التدخل أو دفع جنيه واحد لإنقاذه. وبعد أسبوعين من التخفي، تم القبــ,,ـــــض على حسن في إحدى الكمائن أثناء خارج المحافظة، وأُودع السجــ,,ـــــن لتمضية عقوبته. مرت الأيام، وكان إبراهيم يأتي كل ليلة لبيت أبي.
لم يكن يجرؤ على الصعود دون إذن، بل كان يقف تحت النافذة في البرد، يحمل هدايا خفيفة أو بعض المأكولات، ويسلمها لمحمود، ثم يرجوه أن يلمحني من النافذة فقط. كنت أقف خلف الستارة النصف مضاءة، أراقب هذا الرجل الذي كان يملك كل شيء فخسر كل شيء بسب السذاجة والشك، وكيف يحاول الآن جمع شتات نفسه.
رايت فيه حزنًا حقيقيًا وتغيرًا جادًا، لكن قلبي كان ما زال يحمل أثر تلك الخبطة في الكومودينو، ورائحة البرد التي شعرت بها وأنا ملقاة حافية في السلم. ومع اقتراب نهاية الشهر الخامس، حدث أمر غير متوقع، قلب الطاولة مرة أخرى وجعل الجميع في مواجهة الاختبار النهائي… كانت الليلة الأخيرة من الشهر الخامس أشبه بهدوء قبل العاصفة.
لم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي اختبارًا أخيرًا ليكشف المعادن على حقيقتها، وينزع أي شك كان ما زال يتسرب إلى قلبي. في تلك الليلة، وبينما كان أخي محمود يعود من ورشته في وقت متأخر، سقط أرضًا بجلطة دماغية مفاجئة ناتجة عن الإجهاد والضغط العصبي الشديد الذي عاشه طوال الأشهر الماضية. تحول البيت الهادئ في لحظات إلى صراخ ونحيب، ووقفت أمي تصيح بذهول وأبي يتحرك بوهن وعكازه يرتجف في يده.
في غمضة عين، وُجدنا في الشارع في منتصف الليل ننتظر سيارة إسعاف لم تأتِ، وأنا أقف عاجزة تمامًا أرى أخي والسند الوحيد لي يصارع المو. ت أمامي. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كنا نغرق في العجز، ظهر إبراهيم! لم أكن قد استدعيته، لكنه كان كعادته كل ليلة يراقب الشارع من بعيد ليطمئن على وجودنا.
بمجرد أن رأى التجمع والصراخ، ركض إلينا كالمجنون. لم يسأل ماذا حدث، بل حمل محمود على ظهر دون أن ينتظر أحداً، وركض به نحو سيارته التي استأجرها حديثًا، وصرخ فينا:— اركبي يا شيماء! اركب يا حاج! محمود هيبقى كويس والله العظيم! خلال تلك الليلة المرعبة في المستشفى، رأيت إبراهيم الذي لم أكن أعرفه؛ تحول إلى أسد يذود عن عائلتي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.