كلمة "تسمم دوائي" و"عناية مركزة" نزلت على دماغي زي صاعقة كه τις قطعت نفسي. الدنيا لفت بيا، والأوضة كلها اتهزت. حسيت برجلي مش شيلاني، قعدت على الأرض بصرخة شقت سقف القسم كله: «ولادي! .توا عيالي يا كفرة! اديتوهم إيه؟! سممتوهم عشان تسكتوهم؟!». أحمد وشه اتقلب أزرق زي الميتين، ونادية رجليها خبطت في بعضها ووقعت على الكرسي وإيديها بترتعش بهستيريا، وشفايفها بتتحرك من غير صوت.
الظابط قام وقف فجأة من ورا مكتبه، وشه كان بيبرق من الغضب والحزم، شاور للعسكري اللي واقف على الباب وزعق بصوت جهوري: «اقفل الباب ده وما تخرّجش حد منهم برة! وهاتلي قوة فورًا وعربية بوكس تحت!». بص لأحمد ونادية وقال بنبرة تقطع عرق وتسيل دم: «بقى الولاد نايمين مع والدتك في البيت وزي الفل؟! وبتتحايلوا على القانون وبتزوروا تنازل، والعيال بتمــ,,ـــــوت في المستشفى بسبب بلاويكم؟
!». أحمد حاول يتكلم ويتلجلج: «يا باشا والله ما نعرفش حاجة... نادية هي اللي نزلت بيهم الصبح، أنا ما كنتش أعرف إنهم تعبانين... هي اللي قالتلي هديهم دوا مغص عشان يناموا!». نادية صرخت فيه لما لقت أخوها بيبيعها في ثانية عشان ينجد رقبته: «أنا يا أحمد؟! مش أنت اللي قولتلي خرسيهم بأي زفت عشان صوتهم ما يفضّحناش في العمارة ويقولوا رامي مراته وحابس عياله؟!
مش أنت اللي جبت من الصيدلية دوا الحساسية وقولتلي حطي منه في الببرونة عشان يفضلوا نايمين لحد ما نخلص المحضر؟! بتلبسني أنا المصيبة لوحدي يا نطع؟!». أبويا في اللحظة دي مسك في خناق أحمد، الراجل العجوز اللي في التمانينات بقى فيه عزم يهد جبال من حــ,,ـــــرقة قلبه على أحفاده، والظابط والعساكر فضلوا يسلكوهم بالعافية. الظابط زعق: «كفاية قلة أدب! أمين شرطة، خد المتهم والمتهمة دول في الحجز فورًا، وتحريز الموبايل ده بكل المكالمات اللي عليه!
وأنتِ يا مدام، اطلعي مع المحامي بتاعك ومعاكم القوة على مستشفى النيل حالًا، وأنا هلحقكم بمندوب من النيابة العامة لإثبات الحالة وفتح تحقيق شروع في . وإهمال جسيم!». خرجت من القسم وأنا مش شايفة قدامي، خطواتي كانت بتتسابق مع الهوا، الدموع نشفت في عيني وحل مكانها رعب حقيقي ما يدوقوش غير اللي شال ضناه بين إيديه. ركبنا عربية مع أستاذ مجدي وأبويا، وكل ثانية في الإشارات كانت بتمر كأنها قرن كامل من السلخ.
وصلنا مستشفى النيل التخصصي، دخلت الطوارئ وأنا بنهج وأصرخ باسم يوسف ويونس. ممرضة الاستقبال جريت عليا: «أنتِ والدتهم؟». «أيوة أنا أمهم! فين ولادي؟! عايشين صح؟! قوليلي إنهم عايشين بالله عليكي!». الدكتور خرج من أوضة الملاحظة المركزة، وشه كان باين عليه الإرهاق والغضب. قرب مني وقال بسرعة: «اهدي يا مدام الحمد لله لحقناهم في آخر لحظة..
الطفلين جالهم هبوط حاد في وظائف التنفس وهبوط سكر، نتيجة جرعة زايدة جدًا من دوا مهدئ ومضاد للهيستامين لا يتناسب نهائيًا مع سنهم الرضيع، غير إن كان عندهم جفاف لأنهم رفضوا الببرونة تمامًا وفضلوا يرجعوا.. إحنا عملنا غسيل معدة وركبنا محاليل، ودلوقتي تحت الملاحظة الدقيقة، وحالتهم بدأت تستقر، وممنوع أي خروج قبل ٤٨ ساعة». وقعت على ركبي في طرقة المستشفى، بست الأرض وأنا بشكر ربنا وببكي بحــ,,ـــــرقة وانهيار.
مفيش وجع في الدنيا يساوي رعب الأم على ضناها، ومفيش راحة تساوي كلمة "ولادك عايشين". دخلت شفتهم من ورا الإزاز.. يوسف ويونس، ملايكة مالهومش ذنب، الكانيولات في إيديهم الصغيرة الرقيقة، ووشوشهم دبلانة من التعب. في اللحظة دي بالذات، قلبي اللي كان ساعات بيحن أو يضعف عشان "العشرة" أو "أبو ولادي"، اتحول لحجر صوان. أحمد ونادية ماتوا بالنسبة لي تمامًا، ومش هسيب حق شقايا ولا حق ولادي اللي كانوا هيروحوا فيها هدر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.