حـق التمـوين ج 2 حكـايات مني السيد حصري

نُشر منذ 4 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

الصمت اللي نزل على المندرة بعد صرخة حماتي كان أتقل من جبال المقطم. الدخان اللي كان مالي الأوضة كأنه اتجمد في الهوا. حمايا سقطت من إيده علبة السجاير، وأحمد فضل متنح لأمه، وعينيه تايهة بين الورقة اللي في إيدها وشكلها المتبهدل.. الطرحة كانت معووجة على راسها وجلبيتها مطينة من الشارع وهي بتلهث كأنها كانت بتجري ورا قطر. كمبيالات إيه وطرد إيه يا ولية في ليلتك دي؟!

أبويا هو اللي نطق، بصوت جهوري خلى حماتي تترعش في مكانها. بس هي مبصتش لأبويا، كانت بتبصلي أنا، عيونها اللي كانت دايماً بتبصلي بتعالي وقرف، الليلة دي مكنش فيها غير الرعب والذل. الحجز على الشقة.. شقة أحمد ونرمين! حماتي نطقتها وصوتها بيقطع محضرين من المحكمة ومعاهم قوة من القسم.. بيقولوا واخدين صيغة تنفيذية بميتين وخمسين ألف جنيه متأخرات على شركة قروض، ومكتوبة باسمكم انتو الاتنين، ولو مدفعتوش هيحطوا الشمع الأحمر على العفش والشقة الليلة دي!

أحمد هجم عليها زي المجنون، خطف الورقة من إيدها وعينيه بتجري على السطور. وشه اتحول من اللون الأصفر للون الكفن، إيديه كانت بتترعش لدرجة إن الورقة كانت بتعمل صوت خروشة مسموع في الأوضة كلها إيه ده؟! ده توقيعي أنا ونرمين فعلاً.. بس أنا ممضتش! والله العظيم ما مضيت على قروض من شركات ولا دخلت الأماكن دي في عمري! نرمين.. إنتي مضيتي على حاجة؟! بصيت له ببرود ثلج.

برود فاجئني أنا شخصياً قبل ما يفاجئ أي حد في القعدة. قربت منه، شديت الورقة من بين صوابعه وقريت.. إيصالات أمانة، وشيكات بنكية، وعقد تمويل باسم أحمد إبراهيم بضمان زوجته نرمين محمود، والتاريخ كان من تمن شهور بالظبط! وفجأة.. الشريط كله كرّ قدام عيني زي شريط السينما. افتكرت اليوم المشئوم من تمن شهور..

لما حماتي طلعتلي الشقة، ومعاها باكو بسكوت لعيالي، وكانت داخلة بضحكة صفرا عريضة، وبتقولي بنعومة عمري ما شوفتها منها يا بت يا نرمين، جوز سحر أخت أحمد بيعمل مشروع توزيع جملة للمواد الغذائية، وعايز يقدم على منحة من جمعية تنمية المجتمع للمشاريع الصغيرة، ومحتاجين صور بطاقات العيلة كضامنين ومستفيدين عشان يوافقوا على الحصة التموينية الإضافية.. هاتي بطاقتك وبطاقة أحمد أصورهملك على الماكينة اللي تحت ورجعهم في ساعتها!

ساعتها.. خدت البطاقات، ورجعت بعد ساعة، وجايبة معاها ورق استمارات حكومية كتيرة، وقالت لي وهي بتديني القلم امضي هنا يا بت استلام كارت الجمعية، وأحمد لما يرجع يوقع على الورقة التانية دي عشان اسمه يتحط في الدعم. أنا مضيت بحسن نية وسلامة قلب، ولما أحمد رجع تعبان من الشغل، أمه قعدت جنبه وقالت له امضي يابني عشان أختك الغلبانة تقف على رجلها، دي ورقة استلام منحة جمعية من غير مليم.

وأحمد وقع وهو مغمض عينه، لأن أمه عمرها ما كانت تئذيه.. أو ده اللي كان فاكره! رفعت عيني من الورقة، وبصيت لحماتي اللي كانت واقفة حاطة إيدها على بؤها وبتعيط بدموع حقيقية لأول مرة. المنحة.. صح يا حماتي؟ صوتي خرج واطي بس شرخ الصمت بتاعة جوز سحر؟! الربع مليون جنيه اللي فتح بيهم محل البقالة التاني في طنطا، واشترى بيهم التروسيكل؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة