ولادي كبروا ردّاً للجميل ووفاءً لما بذلته من أجلهم؛ ابني الأكبر تخرج من كلية الهندسة بامتياز، وابنتي الصغرى ألتحقت بكلية الطب، وأصبحا هما سندي وحصني الحصن في هذه الدنيا. لم نعد نذكر اسم ذلك الرجل في بيتنا إلا كما يُذكر كابوس قديم وانتهى مع طلوع الفجر. أما هو، فقد اكتملت فيه الدائرة الإلهية بأبشع صورها.
علمت من بعض المعارف أنه يعيش في غرفة صغرى تحت بئر إحدى البنايات المهجورة، مقعداً على كرسي متحرك تهالك زواياه، يقتات من حسنات أهل الخير وما تجود به نفوس الجيران. العروسة الجديدة أخذت ما تبقى من أمواله بقوة القانون وأعادت زواجها من غيره، وإخواته البنات اللاتي طالما حرضنه عليّ وشاركنه في ظلــ,,ـــــمي وظلــ,,ـــــم أخته المريضة، دارت عليهن الدوائر وتخلين عنه تماماً، بل ووقعن في خلافات حادة ومحاكم على ميراثهن الهزيل، ليتحولن إلى أغراب لا يسأل أحد عن أحد.
في يوم ربيعي دافئ، وأنا أجلس في حديقة بيتي الجديد المحاط بالورود، وأحفادي يلعبون حول ركبتي وابني يقبل يدي بحب واحترام، أخرجت تليفوني القديم الذي احتفظت به سنوات طوال كشاهد على المرار. فتحت صور المستشفى، وشات الفرح الشؤوم، والنصوص المليئة بالإهانة والقسوة.. ثم بكل هدوء وثبات، ضغطت على زر “مسح الكل”. لم أعد بحاجة للاحتفاظ بذاكرة الوجع، فقد أخذ الحق مجراه، واكتملت العدالة الإلهية في الأبدان والأموال والنفوس، ووضعت الحياة خط النهاية لتلك الحقبة المؤلمة.
الحكمة: إن الإنسانية والرحمة ليست ضعفاً يُستغل، والخدمة لوجه الله لا تضيع أبداً ولو كفر بها البشر. الظلــ,,ـــــم ظلــ,,ـــــمات، ومن يسعى لتبديل الطيب بالخبيث، وبيع الأقربين من أجل شهوة أو مظهر كاذب، يمهله الله لكن لا يهمله. اعلمي أن كل دمعة سقطت منكِ في الخفاء، وكل سجدة ألم رفعتها لرب السماء، صُيغت لكِ بها رفعة في الدنيا وجزاء في الآخرة، بينما يُساق الظالم إلى عاقبة أفعاله بيديه لا بيد غيره.
لا تسامي في كرامتكِ، ولا تتنازلي عن حقكِ، فالله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وسبحانه يُمهد للأوفياء طرق الخروج من الجحيم إلى أعالي الجنان والرفعة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.