اخت جوزي حكايات امانى السيد 2

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

ابتسمت من بين ألمها، ونزلت دمعة دافئة على خدها، وقبل أن تغلق عينيها للأبد، كانت قد وضعت رأسها في أحضاني، وتوفيت وهي ممسكة ببدن جلبابي.. ماتت بكرامة، وبين يدي من رعتها بحق الله، لا بين يدي من تاجروا بمرضها. قمتُ بإجراءات الدفــ,,ـــــن والتجهيز كاملة على نفقتي الخاصة، وأقمت لها جُنازة بسيطة وطاهرة يفز لها القلب، دون أن يدخل فيها مليم واحد من مال أخوها النجس أو حضور إخواته اللاتي تبرأن منها في حياتها ومماتها.

وفي العزاء الذي أقمته في بيت أهلي، أقبل هو! لكن لم يكن إقبال رجال، بل استجداء حطام إنسان. دخل وهو يتكأ على عصا خشبية، يسحب قدمه المشلولة جزئياً إثر جلطة مخية مفاجئة أصابته بعد إفلاسه الكامل وطرد العروسة الجديدة له من الشقة المحجوزة. كان يرتدي ثياباً بالية، ووجهه ملتوي، وعيونه زاغية من القهر والفقر.

إخواته البنات تركوه لمصيره بعدما أصبح عبئاً ولا يملك جنيهاً واحداً يبتزونه به. وقف على باب العزاء، ينظر إلى صور أخته المحاطة بالورود، وإلى الثبات والهيبة التي أقف بها وسط أهلي والناس التي تحترمني. تحامل على عصاه ودنا مني بخطوات ثقيلة، وسقط على ركبتيه عند قدمي أمام الجميع، يبكي بكاء الطفل اليتيم ويشهق بصوت يقطع القلوب: “سامحيني يا بنت الناس.

. سامحيني، ربنا أخد حقك وحق أختي مني في الدنيا قبل الآخرة! الشقة راحت، والعربية راحت، والصحة راحت، وإخواتي رماوني زي الكلب لما جالي الفالج! العروسة سرقت اللي حيلتي وخلعت، وأختي ماتت وأنا مش قادر أدفع حق كفنها! أنتي الوحيدة اللي طلعتي أصيلة، وأنا اللي طلعت أوطى من التراب.. سامحيني وأنا هبقى خدام تحت رجليكي أنتِ والولاد، بس ما تسيبنيش أمــ,,ـــــوت في الشارع!” كان المشهد كفيلاً بأن يطفئ كل نــ,,ـــــار غل أو انتقام سكنت صدـ,,ـــري لسنوات.

نظر الحاضرون جميعاً إليّ ينتظرون ردة فعلي؛ هل سأحن؟ هل سأضعف؟ هل سأعيد الجحيم لمجرد الشفقة؟ انحنيت قليلاً، ونظرت في عينيه الدمعتين المكسورتين، وقُلت له بصوت هادئ كالرخام، سمع كل من في القاعة: “الرحمة أديتها لأختك المظلومة ودفــ,,ـــــنتها بإيدي وربنا يرحمها.. أما المسامحة، فدي بينك وبين ربنا لما تقابله بوصية أمك اللي ضيعتها وبشرفي وصحتي اللي هدرتهم عشان شهوتك وكدبك.

أنا مش شمتانة فيك، لأن ربك أعدل العادلين وما يظلــ,,ـــــمش حد.. بس مكانك مش هنا، والباب اللي اتقفل في وش النذالة مش بيتفتح للكسرة. خد عصايتك وقوم، واعرف إن الفاتورة اللي دفعتها دي مجرد مقدم.. والعدل الإلهي لسه له بقية.” أشار أبويا للرجال، فأخذوه من ذراعيه وسحبوه إلى الخارج وهو يصرخ باسمي وينتــ,,ـــــحب، يتخبط في خطواته على السلم الذي طالما صعده بكبرياء وخيلاء.

سرت في جنازة أخته وفي العزاء وأنا أشعر أن الحساب قُرِب من التصفية النهائية، وأن باقي القصة لم يعد بيدي ولا بيده.. بل بآلية القدر التي تسحق الظالمين وتحق الحق ولو بعد حين، استعداداً للحظة الاستقرار الأخير التي سأضع فيها القلم وأغلق هذه الصفحة للأبد. مرت السنوات سريعة كلمح البصر، وكان الزمان كفيلاً بترميم كل ما انكسر داخل روحي، وإصلاح ما أفسده الغدر في حياتي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة