التفتُّ لأغادر القاعة، فقام مسرعاً ووقف في طريقي عند الممر الضيق، والدموع تنزل من عينيه بغزارة: “سيبتي لي إيه يا بنت الناس؟ ضيعتيني وضيعتي نفسك.. أنا كنت ضحية ظروف وضغط، والنزوة طارت خلاص.. ارجعي لي ونبدأ من جديد، والله لأكتب لك الشقة باسمك وأخدم أختي معاكي بإيدي!” ابتسمت بمرارة وقربت منه حتى أصبحت على بعد خطوات قليلة، وقُلت له بصوت خفيض وصل لأذنيه بوضوح: “أنت لم تضيعني.
. أنت صنعت مني امرأة قوية لا تنكسر. الخدمة التي قدمتها لوجه الله ولإنسانيتي أخذت أجرها راحة بال وكرامة وصحة تنبت من جديد، أما أنت فدفعت ثمن غدرك من دينك ودنياك وصحتك. الشقة التي تتحدث عنها أصبحت حطاماً، وأختك في الدار تدعو عليك وعلى إخواتك في كل صلاة.. اذهب والتقط أوراقك من الطين، فالعريس لم يعد له وجود، والمسرح الفخم الذي رقصت عليه تحول إلى مأتم لكرامتك.
” تركته واقفاً يضــ,,ـــــرب كفاً بكف وسط الممر، وخرجت إلى صحن المحكمة الخارجي. كانت أتربة الماضي قد انزاحت تماماً، والهواء البارد ينعش روحي. فتحت حقيبتي، وأخرجت منها تقريراً طبياً جديداً لظهري يوضح بدء تعافي الفقرات بفضل العلاج الطبيعي والمتابعة، وشهادة تسجيل مشروعي الصغير الجديد لتفصيل الملابس الذي بدأ يدر عليّ دخلاً كافياً يعزني ويعز أولادي.
كنت أعلم أن الفصل الأخير من هذه الحكاية لم يكتب بعد، وأن هناك مواجهة أيرة ستحسم كل شيء وتضع النقطة الأخيرة فوق الحرف، لكنني هذه المرة كنت أسير بثبات، وأنا أعلم أن الحق ينتصر دائماً، ولو بعد حين. أغلقتُ باب المحكمة خلفي ورفعتُ رأسي للسماء، أستنشق الحرية بكل ذرة في جسدي. لكن الحياة أبت إلا أن تضع القصة في نصابها الصحيح، وتكتمل دوائر العدالة الإلهية بأيدينا لا بأمانينا فقط.
مرت ستة أشهر أخرى، استقرت فيها حياتي تماماً. المشغولات اليدوية والمشروع الصغير الذي بدأته برأس مال نفقتي المأخوذة بالقانون تحول إلى مشغل صغير يضم ثلاث سيدات مطلقات ومعيلات، ورممتُ جسدي ونفسيتي بعلاج طبيعي مكثف وبجلسات دعم نفسي أعادت لي ذاتي التي دُفنت سنين تحت وطأة الخدمة والقهر. ولادي كبروا في بيئة صحية، بعيداً عن الصراخ، ونبرة الاستعلاء، وريحة الغدر.
في صباح يوم جمعة، جالي اتصال هاتف غير متوقع من إدارة دار الرعاية التي ترقد فيها أخته. مديرة الدار قالت لي بنبرة مضطربة: “يا مدام، أستاذة (اسم أخته) حالتها الصحية تدهورت جداً، وعندها هبوط حاد في الدورة الدموية، وهي في ساعات حياتها الأخيرة.. المحامي بتاعك قالنا إنك الوحيدة اللي بتدفعي مصاريف ممرضتها الخاصة، ولما اتصلنا بأخوها وأخواته البنات، أخوها قالنا إنه محجوز في المستشفى وما حيلتوش مليم، وإخواته قالوا ما لناش دعوة ورزعوا السكة في وشنا!
” قلبي انقبــ,,ـــــض، المسافة بين القسوة والرحمة كانت شعرة، ولكن في هذه اللحظة لم أفرّق بين ظلــ,,ـــــمه وبين هذه الروح البريئة التي كانت تحبني كأم. أسرعتُ إلى الدار، ودخلتُ الغرفة المعتمة. كانت أخته نائمة على السر,,ـــــير، وجهها شاحب كالشمع، ونفسها بطيء ومتقطع. أول ما مسكت إيدها ونديت عليها باسمها، فتحت عينيها بصعوبة، ونظرت لي بنظرة شكر واعتراف لم أرها في عين إنسان من قبل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.