. سحر تنزف، تموت، تولع، ده ما يخصنيش. أوراقي وحقي يرجعوا كامليين، وبعدها نروح نشوفها لو تحب.” سامح كان مسلوب الإرادة تماماً، خايف مني أكتر ما هو خايف من الموت نفسه. حط إيده على البصامة، وبصم على كل أوراق التنازل عن الشقة، والأرض، وتنازل كامل عن حضانة الولد، ورسائل الطلاق الرسمية. الموظف ختم الأوراق وختم الدولة اتطبع عليها. في اللحظة دي بس، حسيت إن روحي ردت لي، وإن الغشاوة اتزاحت عن عيني.
أخدت أوراقي وحطيتها في شنطتي بثقة، وبصيت لسامح وقلت له: “يلا بينا على المستشفى.. نشوف الست الغالية جرى لها إيه.” وصلنا المستشفى المركزية، والجو هناك كان يخنق. أطباء طالعين وداخلين، وصوت أجهزة القلب بره الأوض بيصفر. لقينا محمود قاعد على الأرض في الصالة، هدومه متقطعة، وعينيه زايغة، وإيديه مالياها الدم الجاف.
أول ما شاف سامح وشافني، قام وقف بالراحة، بس ما اتحركش المرة دي.. كان شكله مكسور كأنه كبر عشرين سنة في ليلة واحدة. سامح قرب منه وهو بيرتعش: “محمود.. إيه اللي حصل؟ سحر جرالها إيه؟” محمود بص لسامح ونطق بصوت حشرجة ميتة: “كانت بتهرب مني في الفجر.. أخدت عربيتي وجريت بيها على الطريق السريع وهي بتصرخ. تريلا طارت فيها.. العربية اتقلبت بيها ثلاث مرات.
الدكاترة جوه بيحاولوا يجمعوا اللي فاضل منها.” في اللحظة دي، خرج الدكتور من أوضة العمليات، وشه كان قطع رسمية من التجهم. مسح جبينه وبص لنا: “مين قرايب المريضة سحر؟” محمود وسامح قربوا منه في نفس الوقت. الدكتور قال بنبرة جافة: “الإصابات بالغة جداً.. كسر في الجمجمة، ونزيف داخلي، وشلل كامل في الطرفين السفليين. إحنا أنقذنا حياتها بالعافية، بس الست دي مش هتمشي على رجليها تاني أبداً، ولا حتى هتقدر تتكلم.
. مراكز النطق عندها اتدمرت.” سامح وقع على الكرسي ومش قادر يتنفس، ومحمود غطى وشه بإيديه وقعد يضحك ضحكة هستيرية مرعبة. أما أنا.. فمشت بخطوات هادية ناحية الأوضة اللي سحر كانت محطوطة فيها على الأجهزة. فتحت الباب بالراحة ودخلت. الأوضة كانت ريحتها مطهرات. سحر كانت متوصلة بأنابيب في كل مكان في جسمها، وشها مليان جروح وغرز، وعينيها المفتوحة بالعافية كانت بتروح وتيجي في السقف.
أول ما شافتي دخلت، حركت عينيها ناحيتي، وبدأت الأجهزة تطلّع أصوات إنذار متسارعة.. كانت مرعوبة. قربت من السرير، ووطيت بوشي لحد ما بقيت على بعد سنتيمترات من أذنها. ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ووشوشتها بصوت واطي: “فاكرة يا سحر لما كنتِ بتجيلي كل يوم البيت وتضحكي في وشي وتعملي حبيبتي؟ فاكرة لما كنتِ فاكرة إنك أذكى مني وتعرفي تسرقي حياتي وجوزي وأرضي؟
ربنا ما بيسيبش يا سحر.. خد مني جوز خاين، وبدل ما يتعبني، رجّع لي حقي كامل، وسابك أنتِ عايشة في جسم ميت.. مش هتقدري تتكلمي عشان تدافعي عن نفسك، ولا هتقدري تمشي عشان تهربي من ذنبك. أنتِ اتسجنتي جوة جسمك بقية حياتك.” عينين سحر نزلت منها دمعة حارة على خدها المجهد، وكانت بتحاول تطلع أي صوت، أي صرخة، بس ما كانش بيطلع غير صوت فحيح مكتوم.
طلعت من الأوضة وأنا حاسة براحة نفسية ما حسيتهاش من سنين. لقيت سامح واقف مستنيني بره والأوراق في إيده، بص لي بضعف وقال: “ندى.. خلاص كده؟ أخدتي حقك؟ طلقتيني، وأخدتي كل حاجة، وسحر اتدمرت.. هتسيبيني إزاي كده؟” بصيت لسامح من فوق لتحت بأسف، وقلت له: “أنا ما أخدتش غير حقي وحق ابني يا سامح. أنت وسحر عملتوا المزبلة دي بإيديكم، ودلوقتي جه وقت النظافة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.