” ساعتها… حسيت إن الأرض اتفتحت وبلعتني. مش بس الفلوس اللي راحت… الحلم، الأمان، الثقة، ومستقبلي كله انهار في ثانية. أبويا شقي سنتين قبل ما يموت عشان يضمن لي القرشين دولستر ليا، وفي لحظة، جوزي وأخوه وأمه ضيعوهم واعتبروني غريبة يغطوا بيها خيبتهم! محمود أخوه خرج من أوضته في اللحظة دي، وهو بيتمطع وبيقول ببرود مستفز: ”في إيه يا جماعة؟
عاملة مناحة ليه يا ندى؟ ما إحنا أهل والفلوس راحت في سوق وتجارة، مش سرقة يعني! وبعدين ما أنا قلتلكوا هشتري ميكروباص وأسددلكم الفلوس على أقساط، كبرتي الموضوع ليه؟” بصيت لهم هما الأربعة… حماتي الشامتة، ومحمود المتنطع البراد، وهشام المكسور الخاين للأمانة. وفجأة، العياط والضعف اختفوا من جوايا… أتحولوا لكتلة من الجليد والصلابة. مسحت دموعي بإيدي بقوة، ورفعت رأسي فوق. قلت لهشام بهدوء مرعب: ”قوم يا هشام… قوم واقف على رجليك.
” هشام قام وهو بيبصلي بأمل إن يلاقيني سامحته، لكن أنا قلت بصوت حاسم أربك البيت كله: ”الفجر فاضل عليه ساعتين. قدامكم مهلة لحد الساعة تسعة الصبح… الفلوس دي ترجع في حسابي، بالكامل، زي ما أتاخدت.” حماتي ضحكت بصوت عالي: ”وإن ما رجعتش يا ست ندى؟ هتعملي إيه يعني؟ هتشتكي جوزك؟ هتروحي لأهلك الميتين؟” بصيت لها وقلت بمنتهى الثبات: ”لأ يا ماما… مش هشتكي هشام بس.
أنا معايا إيصالات والتوقيع اللي على التوكيل مزور، لأن التوكيل اللي هشام استخدمه كان خاص بإدارة الشقة القديمة مش بالسحب المالي. هشام خاف يقولك، بس أنا عارفة القانون كويس. أنا هبلغ عن محمود وهشام بتهمة خيانة الأمانة والتزوير والستيلة على أموال يتيمة، والمستندات معايا في درج مكتبي في الشركة!” محمود وشه جاب ألوان وسكت، وحماتي ارتبكت ولجلجت: ”إنتي بتهددينا يا بنت الـ…؟
” ”أنا مش بهدد… أنا بديكم فرصة أخيرة لحفظ ماء الوجوه. الساعة تسعة الصبح، لو الفلوس ما كانتش قدامي، النيابة هي اللي هتتصرف.” دخلت أوضتي وقفت الباب بالمفتاح. ما بكيتش ولا نقطة دموع واحدة طول الليل. كنت بقعد أستغفر وأجمع أوراقي. وعرفت إن اللي اتكسر جوايا تجاه هشام ما يترممش بسهولة، لكن حقي وشقى أبويا مش هيضيعوا. على الساعة تمانية الصبح… سمعت حركة وهرج ومرج برة في الصالة.
الباب اتفتح وخبط شديد. فتحت الباب وخرجت… لقيت عم هشام (الحاج إبراهيم) قاعد في الصالة، ووشه غاضب جداً، وجنبه هشام ومحمود وحماتي قاعدين ساكتين زي الفراخ المبلولة. الحاج إبراهيم كان رجل كبير، صعيدي أصيل، وم بيقبلش الظلم. اتضح إن هشام من خوفه من السجن والفضيحة، جاب عمه بالليل وحكاله الكارثة كاملة!
أول ما الحاج إبراهيم شافني، قام وقف وقال بصوت جهوري: ”تعالي يا ندى يا بنتي… حقك عليا أنا. البيت ده فيه رجالة، واللي حصل ده خسة وندالة وما يرضيش ربنا ولا عباده!” بص الحاج إبراهيم لمحمود وقال بقسوة: ”إنت يا محمود… الأرض اللي ورثتها من أبوك في البلد، العقد بتاعها معايا. الشاري جاهز وهيمضي النهاردة، والفلوس هتتاخد منها ويترد حق ندى بالكامل لحد عندك!” محمود صرخ: ”أرضي يا عمي؟! أبيع أرضي عشان أسدد فلوسها؟
!” عمهم ضرب بالعصاية على الأرض بغضب: ”تبيع أرضك وتبيع هدومك كمان! إنت أكلت حق يتيمة وغدرت بأخوك وحرقت قلبه! والأرض دي هتتباع النهاردة وقبل الساعة تسعة الفلوس هتكون في حسابها!” ثم بص لحماتي وقالها بصرامة: ”وأنتِ يا أم محمود… حسابك معايا بعدين. أكلتِ حلال الناس وعايزة تخربي بيت ابنك الصغير عشان تدلعي الكبير العاطل؟ من النهاردة مكيش كلمة على هشام ولا مراته!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.