قبل ميعاد كتابة عقد شقتنا الجديدة بيوم واحد، حماتي دخلت عليا الأوضة، قفلت الباب وراها وبصتلي ببرود وقالتلي: «هاتي دفتر التوفير بتاعك.. أخو جوزك لقى عربية لقطة وهيشتغل عليها، والفلوس دي هو أولى بيها من شقة الحيطان فيها مش هتنفعنا.» الفلوس دي كانت ورثي من أبويا الله يرحمه، وتعب وشقى سنتين عشان نطلع من الأوضة اللي عايشين فيها في بيت العيلة.. فرفضت. لكن اللي حصل بعدها خلاني أكتشف إن الحكاية مكنتش مجرد طمع في قرشين.
. والأغرب إن الكارثة دي اتكشفت في نفس الليلة اللي كنا بنجهز فيها عشان نحتفل بتحقيق حلمنا! كنت فاكرة إن بكرة هيكون أسعد يوم في حياتي… أنا «ندى»، عندي خمسة وعشرين سنة، ومتجوزة «هشام» من سنتين. هشام شغال مهندس في مصنع، شاب مكافح وبيحبني، واستحملنا عيشة صعبة في أوضة صغيرة في بيت عيلته عشان نحوش قرش على قرش مع ورثي، ونجيب شقة تمليك تلمنا وتكون بداية جديدة لينا.
عايشين وسط عيلته، ومن أول يوم وأنا عارفة إن حماتي «الحاجة سيدة» بتفضل ابنها الكبير «محمود» على هشام، بس عمري ما تخيلت إنها ممكن تمد إيدها على شقى عمري وحاجة أبويا. كنت بلم هدومي في الشنط ومبسوطة، لقيت حماتي بتفتح الباب من غير استئذان كالعادة. — ندى! وقفت وابتسمت: — نعم يا ماما، اتفضلي. قربت مني، وبصت للشنط المفتوحة وقالت من غير مقدمات: — فضي الشنط دي.. مفيش عزال بكرة.
أخو جوزك محمود لقى عربية ميكروباص لقطة، وهياخد فلوس الدفتر بتاعك يشتريها عشان يفتح بيت بدل قعدته دي. ابتسامتي اختفت، وقلت بصدمة: — دفتر إيه يا ماما؟ دي فلوس ورثي من أبويا، وبكرة الصبح رايحين نمضي عقد الشقة! هشام دافع عربون خلاص. ردت بحدة وصوت عالي: — عربون إيه وكلام فارغ إيه! أخوه عاطل وقاعد في البيت، وإنتوا رايحين تتدلعوا في شقة تمليك؟ الفلوس دي تطلع حالاً، ولما ربنا يكرمه يبقى يسددهالك.
تراجعت لورا بخوف وأنا بحضن شنطتي: — يا ماما دي فلوس أبويا الله يرحمه، دي أمانتي ومستقبلي أنا وهشام، مقدرش أديها لحد. ضحكت باستهزاء وقالت: — أبوكي إيه دلوقتي؟ إنتي دخلتي عيلتنا وبقيتي مننا، وفلوسك دي تحت أمر الكبير قبل الصغير.. ولا إنتي معتبرة نفسك غريبة وبتبخلي على أخو جوزك؟ دموعي نزلت غصب عني: — يا ماما والله ما قصدي، بس دي شقة العمر، حلمنا اللي تعبنا عشانه.
. اطلبي عيني بس الفلوس دي لأ. وشها قلب بغضب وقالت: — مفيش شقق هتتجاب.. ولو مفكرتيش في مصلحة العيلة دي، يبقى مالكيش مكان وسطنا! والعيب مش عليكي، العيب على ابني اللي مدلعك. سابتني وخرجت ورزعت الباب وراها بكل قوتها. قعدت على طرف السرير أعيط، حاسة إن حلمي بيتسرق مني، ضهري مكسور ومفيش حد أتحامى فيه. وفجأة… سمعت صوت باب الشقة بيتفتح.
هشام رجع. مسحت دموعي بسرعة، مكنتش عايزة أكسر فرحته النهاردة، وكنت عارفة إن الموضوع هيكبر لو عرف. دخل هشام الأوضة، شايل علبة جاتوه وبيضحك، بس أول ما شاف عيني الحمرا، ملامحه اتغيرت. — ندى؟ في إيه يا حبيبتي؟ بتبكي ليه؟ هزيت رأسي: — مفيش.. شوية تراب دخلوا في عيني وأنا بنضف. قرب مني ومسك إيدي: — ندى، أنا خابزك وعاجنك.. في إيه؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.