بعد طلاقي حكايات امانى السيد2

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

ركضتُ لمسافةِ ميلين كاملين حتى وصلتُ إلى المستشفى وأنا ألهثُ ونفسي يتقطع، وجسدي يرتجفُ من الإجهادِ والبرد. أسرعَ الأطباءُ لاستلامِ الصغيرِ وأدخلوه غرفةَ العنايةِ المركزة. جلستُ على أرضيةِ المستشفى المبتلة، ممدداً بجسدٍ منهك، غيرَ آبهٍ بالماءِ الذي يقطرُ من ملابسي. جاءتْ فاطمة وجلستْ إلى جواري على الأرض. نظرتْ إلى وجهي المجهد، وإلى قدمي اللتين تنزفانِ من شدةِ الركضِ والتعب، ثم نظرتْ إلى بابِ الغرفةِ حيثُ يتلقى ابنُنا العلاج.

لأولِ مرةٍ منذ عام، مدّتْ يدها الدافئةَ ووضعتها على يدي المرتجفة. نظرتُ إليها بذهول، فرأيتُ الدموعَ تترقرقُ في عينيها، ولكن لم تكنْ دموعَ القهرة، بل دموعَ الحنانِ القديم. قالت بصوتٍ خافتٍ يرتعش: * «رأيتُك اليومَ تركضُ به يا محمود.. رأيتُ الخوفَ في عينيك، وشعرتُ أن الرجلَ الذي أحببتُه وضحيتُ لأجله بزهرةِ شبابي، قد عادَ أخيراً من رحلةِ ضياعه.

لقد مسحتَ بركضتكَ في المطرِ ألمَ السلالم، وغسلتَ بتعبكَ عارَ ». بكيتُ كالطفلِ الصغير، ووضعتُ رأسي في وقلت: * «هل غفرتِ لي يا فاطمة؟ هل يُمكنُ للقلبِ الذي كسرْتُه أن يلتئم؟». ردتْ وهي تمسحُ على رأسي بحنانِ الأم والزوجةِ الأصيلة: * «الذهبُ الذي بعتُه عشانك كان رخيصاً يا محمود، لكن معدنك الطيب الذي ضاع منك هو ما كنتُ أنتظرُ استرداده.

اليوم فقط، عادتْ بيتاً، وعادَ الغريبُ زوجاً وأباً». خرجَ الطبيبُ ليُبشرنا بأن حرارةَ أحمد انخفضتْ وأن حالةَ الصغيرِ استقرت. دخلنا معاً إلى الغرفة، وأمسكنا بيدِ طفلنا، الذي فتحَ عينيه الصغيرتين، ورآنا نبتسمُ له، فابتسمَ وقال: «يا بابا.. إحنا في البيت؟». فأجبته وأنا أضمُّ فاطمة والأولادَ إلى صدري في عناقٍ طالَ انتظاره: * «نعم يا حبيبي.

. إحنا في بيتنا، ولن يفرقنا شيءٌ بعد اليوم». أما جيهان، فقد علمنا لاحقاً أن أقاربها الذين استعانتْ بهم انقلبوا عليها بعدما أفلست، وأخذوا منها بقيةَ الأموالِ التي سرقتها، لتذوقَ مرارةَ الوحدةِ والخذلانِ في الشارعِ الذي أرادتْ أن تطردَ أنبلَ نساءِ الأرضِ إليه. عادتْ فاطمة ملكةً على بيتها، وعُدتُ أنا رجلاً لا يرى في الدنيا سوى اليدِ التي رفعته يومَ كان على الطوب، وحفظتْ كرامته يومَ في الهاوية.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة