بعد طلاقي حكايات امانى السيد2

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

خرجتُ من قاعة المحكمة، ووجدتُ فاطمة تقف عند الباب. كانت المرة الأولى التي تتلاقى فيها أعيننا منذ ليلة الطرد. تقدمتُ نحوها بخطواتٍ مكسورة، وهويتُ على ركبتي أمامها وأمام الناس جميعاً، وأ مسكت بطرف ثوبها وقلتُ وأنا أبكي بصوتٍ مسموع: * «سامحيني يا فاطمة.. سامحيني يا أم عيالي. الشقة ستعود لكِ، وحقكِ سيرجع، حتى لو قضيتُ باقي عمري خلف الأسوار.

فقط قولي أنكِ سامحتِني». نظرتْ إليّ فاطمة من الأعلى. لم تكن في عينيها نظرةُ تشفٍّ ولا انتصار، بل كانت هناك حسرةٌ عميقة وشفقة. رفعت ابننا الصغير عن الأرض، وقالت بصوتٍ هادئ كأنه الهمس: * «الشقة التي بُنيت بالدموع لا تعوض سنين العمر التي ضاعت يا محمود. الحقُّ سيرجع للأولاد لأن هذا حقهم، أما القلوب إذا انكسرت.. فلا تقيمها عقود المحاكم ولا دموع الندم». تركتني ملقىً على الأرض ورحلت مع الأولاد.

مرّ شهران على تلك الجلسة، كانت التحقيقات تجري على قدم وساق. جيهان أدركت أن موقفها القانوني بات يتربص به الخطر، فبدأت تخطط لردٍّ انتقامي أشد قسوة. لم تكتفِ بالدفاع عن الشقة، بل استغلت التوكيل العام الذي كنتُ قد حررته لها في أيام غفلتي لنقل بعض الحسابات التجارية، وقامت بسحب كل السيولة المالية المتوفرة في حساباتي البنكية الخاصة بالشركة، وتركت الحسابات مكشوفة للموردين، مما جعلني مهدداً بالفعل بسجنٍ حقيقي وفعلي بسبب چکات دون رصيد!

في أحد الأيام، جاءني اتصالٌ من مصنعي التجاري. كانت الشرطة هناك لقَبضِ عليّ بسبب شيكاتٍ مرجعة طلبت جيهان صرفها لحساب شركات وهمية تابعة لأقاربها. وصلتُ إلى المحكمة في الجلسة المحددة للنطق بالحكم في قضية الشقة، وأنا مكبلُ الأيدي في حراسة الشرطة بسبب قضية الشيكات. جلس القاضي على المنصة، وحضر الجميع. كانت جيهان تقف في المواجهة تبتسم ابتسامة النصر، معتقدةً أنها حتى لو خسرت الشقة، فقد دمرت حياتي المالية وجعلتني أستقرُّ في السجن لسنواتٍ طويلة.

اعتلى القاضي المنصة، ونشَر حكمه التاريخي: «حكمت المحكمة بإبطال عقد التنازل الصادر من المدعية الأولى بطلاناً مطلقاً لثبوت وقوعها تحت التدليس والإكراه المعنوي، وما يترتب على ذلك من بطلان كافة التصرفات العقارية التالية، وإعادة قيد الشقة باسم المدعية الأولى “فاطمة”، مع إحالة المدعى عليه الأول “محمود” إلى النيابة العامة لاستكمال التحقيقات ». صرخت جيهان من الغيظ، بينما هبطت دموع فاطمة الصامتة وهي تصمُّ طفليها إلى صدرها. الشرطة بدأت في تحريكي لنقلي إلى حجز التخشيبة بسبب الشيكات.

وفي الممر الخارجي للسطح القضائي، اعترضت جيهان طريقي وقالت بشماتة: * «مبروك عليها الطوب والأحجار، لكن أنت ستعفن في بقية حياتك بسبب الشيكات التي سحبتها.. لن تنفعك الخدامة ولا الأولاد!». وقبل أن أرد عليها، تفرقت الزحمة وجاء صوتُ فاطمة وهي تتقدم بخطواتٍ ثابته، تحمل في يدها حقيبةً سوداء ثقيلة. وقفت فاطمة أمام جيهان، ثم التفتت إلى ضابط الشرطة وقالت: * «حضرة الضابط.. هذه مبالغ الشيكات بالكامل.

أنا باعت البيت القديم الذي ورثته عن أبي في الصعيد، وجمعت كل ما أملك لنشري حرية أب أولادي وسداد ديونه.. محمود خطأ في حقي، لكنه يظل والد أبنائي، وأنا لا أسمح أن يدخل السجن بسبب مكر هذه المرأة». صُدمت جيهان، وتسمرت أنا في مكاني، وتوقفت أقدام الحراس. كانت فاطمة تضحّي بآخر ما تملكه في الحياة لتُنقذ الرجل الذي طردها في ليلة العيد!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة