لأن أخلاقي التي تربيتُ عليها تمنعني من ردِّ السيئةِ بمثلها». واستطردتْ بصوتٍ يحملُ كبرياءً لا يُكسر: * «لكن اعلم يا محمود.. أن الشقةَ التي بُنيتْ بعرقي ودهبي عادتْ باسمي ولأولادي ولن يمسّها مخلوق. وأنا سأعيشُ في غرفتي، وأنتَ في الغرفةِ الأخرى. سنكونُ تحتَ سقفٍ واحدٍ لأجلِ العيال، حتى تشعرَ كل يومٍ وكل ليلةٍ بحجمِ الخسارةِ التي تسببتَ فيها.
ستأكلُ من يدي، وسأغسلُ ملابسك، لكن قلبَ فاطمة الذي بعتَه بالباطن.. لم يعدْ ملكك، ولن تملكه مجدداً إلا إذا استطعتَ أن تعيدَ سنينَ العمرِ والكرامةِ التي أُهريقتْ على درجِ البناية». انحنيتُ برأسي خاضعاً وموافقاً، ورضيتُ بشرطها الصارم. كان بقائي بالقربِ منها، حتى لو كان كالغريبِ في بيته، هو أقصى ما أتمناه ونعمةً لا أستحقها. عدنا جميعاً في ذاتِ الليلةِ إلى البنايةِ الكبيرة. صعدنا السلالم.. ذات السلالمِ التي شهدتْ على صراخِ فاطمة وأطفالي في ليلةِ العيد.
وقفتُ عند بسطةِ السلمِ وأنا أنظرُ إلى الأرض، وأتذكرُ شنطةَ الهدومِ التي رمتها جيهان، والضحكاتِ العاليةَ التي كانت تتصاعدُ من الداخل. أخرجتْ فاطمة المفتاحَ الأصلي، وفتحت الباب. دخلنا الصالة. كانت الشقةُ تعمُّها الكراكيبُ التي تركتها جيهان، ورائحةُ العطرِ الرخيصِ تملأُ المكان. من دونِ أن تتكلم، رفعتْ فاطمة أكمامَ ثوبها، وأمسكتْ بمكنسةٍ ووسائلِ تنظيف، وبدأتْ تطهرُ البيتَ زاويةً زاوية.
أسرعتُ إليها وأخذتُ منها الأدواتِ وقلتُ: * «أقسمُ باللهِ لن تمسي شيئاً.. أنا من سينظفُ قذارةَ الأيامِ الماضية، وأنا من سيمسحُ أثرَ كلِ حجرٍ لمسته تلك المرأة». جلستْ فاطمة على الأريكةِ تُراقبني والابتسامةُ الغائبةُ بدأتْ تلمحُ على وجهِ أولادي وهما يلعبان في غرفتهما القديمة. طوالَ الليل، كنتُ أُنظفُ وأغسلُ وأُعيدُ ترتيبَ الأثاثِ الذي اختارته فاطمة سابقاً، وكنتُ أشعرُ مع كلِ قطرةِ عرقٍ تسقطُ مني أنني أغسلُ جزءاً من إثمي.
مرّتْ الأيامُ والأشعر، وتحولَ البيتُ إلى ساحةِ اختبارٍ يومية. أعدتُ فتحَ عملي الصغير من الجديد، وكنتُ أعملُ ست عشرةَ ساعةً في اليوم، لا آخذُ لنفسي قرشاً واحداً، بل أضعُ كلَ الأرباحِ في يدِ فاطمة لتديرَ هي البيتَ والشركة. أصبحتُ أتوددُ إليها بالكلمةِ الطيبة، والخدمةِ الصادقة، وأتحملُ جفافَ معاملتها وهدوءها . لم تكنْ تصرخ، ولم تكنْ تُعيرني بما حدث، لكن هدوءها كان أشبهَ بالجليد.
كُنّا نعيشُ تحتَ سقفٍ واحد، نأكلُ على طاولةٍ واحدة، لكن كان بيننا سورٌ عظيمٌ من الذكرياتِ الأليمة. وفي ليلةٍ من ليالي الشتاءِ الباردة، وبعد مرورِ عامٍ كاملٍ على المحاكمة، حدثَ ما لم يكنْ في الحسبان، ليضعَ حبَّنا وندمنا وحياتنا كلها على المحكِ الأخير… وفي تلك الليلةِ الشاتية، الباردةِ كليلةِ العيدِ التي طُرِدَتْ فيها فاطمة، هبتْ عاصفةٌ قويةٌ على المدينة. أصيبَ ابنُنا الصغير «أحمد» بنوبةِ حمى مفاجئةٍ وارتفعتْ حرارتُه لدرجةٍ مرعبة.
كان الولدُ يرتجفُ بين يدي أمه، ويهذي بكلماتٍ خائفة: «يا بابا متطردناش في الشارع.. الجو برد!». سقطتْ الكلماتُ على قلبي كأنها سياطٌ من نار. رأيتُ فاطمة تبكي بعجزٍ ولهفة، والسياراتُ متوقفةٌ في الشوارعِ بسببِ الأمطارِ الغزيرة. لم أنتظرْ ثانيةً واحدة؛ رفعتُ طفلي على صدري، وغطيتُه بمعطفي، ونزلتُ أركضُ في الشارعِ المحظورِ وسطَ السيول، وفاطمة تركضُ خلفي وهي تصرخُ باسمي واسمِ ابنها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.