كانت فاطمة تضحّي بآخر ما تملكه في الحياة لتُنقذ الرجل الذي طردها في ليلة العيد! وقفتْ جيهان في منتصفِ ممرِ المحكمةِ كالمصدومة، تتطلعُ إلى الحقيبةِ السوداء في يدِ فاطمة، ثم إلى ضابطِ الشرطةِ الذي بدأ يفكُّ الأغلالَ من يديَّ بطلبٍ من النيابةِ بعد تقديمِ إيصالاتِ السدادِ الفوري. لم أستطعْ أن أرفعَ عيني في عينِ فاطمة.
كان خجلي منها أثقلَ من الحديدِ الذي كان يلتفُّ حولَ معصميّ. انحنيتُ على يديها أحاولُ تقبيلَها، لكنها سحبتْ يدها برفقٍ وثبات، وقالت بصوتٍ صارمٍ يقطرُ كبرياءً: * «لا تفعل يا محمود.. أنا لم أنقذْك لكي تعودَ زوجاً لي، ولا أعدتُ لك حريتك لكي أطلبَ ودَّك. أنا فعلتُ هذا لسببين: الأول أنني لا أقبلُ لعيالي أن يُقالَ إن أباهم دخلَ السجنَ في قضيةِ نصبٍ وشيكات، والثاني أنني أردتُ أن أثبتَ لهذه المرأةِ أن الستَّ التي قامتْ على الطوبِ وضحَّت بدفئها وذهبِ أمها، قادرةٌ على أن تشتري كرامةَ عائلتها وثمنَ حريتك من مالِ أبيها، بينما هي سَرَقَتْك ورَمَتْك في أولِ منحنى».
صمتتْ جيهان، وحاولتْ أن تتداركَ الموقفَ بتصنعِ القوة، فصرختْ وهي تلوحُ بيدها: * «تظنون أنكم فزتم؟ الشقةُ وأخذتموها بحكمِ المحكمة، والمالُ وسددتموه.. لكن أنتَ يا محمود أصبحتَ مفلساً، لا تملكُ في السوقِ درهماً واحداً! شركتُك تداعت، وبضاعتك محجوزٌ عليها، وستعيشُ طوالَ عمرك في فقرٍ تترجى هذه الستَّ لتعطيكَ لقمتَك!». نظرتُ إليها بثباتٍ غيرِ مسبوق، وشعرتُ بروحٍ جديدةٍ تدبُّ في جسدي. لم يعدْ المادياتُ تُرهبني، ولم أعدْ ذلك الرجلَ الضعيفَ الذي تحركه شهوةٌ أو طمع.
قلتُ لها بصوتٍ نزلَ عليها كالصاعقة: * «الفقرُ ليس في الجيب يا جيهان.. الفقرُ هو ما تعيشينَ فيه أنتِ. أنا بدأتُ من الصفرِ على الطوبِ الأحمرِ مع فاطمة وسأبدأُ من الصفرِ مجدداً، لكن هذه المرةَ وأنا أنامُ مرتاحَ الضمير. أما أنتِ، فخرابُ قلبكِ سينهشُكِ، ولن تجدي أحداً يشتريكِ أو يضحّي لأجلكِ بقرشٍ واحد. انصرفي من حياتي.. أنتِ طالقٌ ثلاثاً لا رجعةَ فيها!».
سقطتْ الكلماتُ على رأسِ جيهان كالجبل، وانسحبتْ من المحكمةِ تجرُّ أذيالَ الخيبةِ والعار، بعدما انقلبَ سحرُها عليها، وفقدتْ الشقةَ والمالَ والزوجَ في ضربةٍ واحدة. تلفتُّ لأبحثَ عن فاطمة والأولاد، لكنني وجدتها قد انسحبتْ ببرودٍ وهدوء نحو بوابةِ المحكمةِ الخارجية. ركضتُ خلفها، والأولادُ يلتفتون إليّ بدموعٍ محبوسة. عند سلمِ المحكمة، ناديْتُ عليها: * «فاطمة!
انتظري يا فاطمة.. أرجوكِ لا تتركيني هكذا!». لتفتتْ إليّ، والهواءُ يحرّكُ طرفَ حجابها الأسود. اقتربتُ منها وقدمي تكادُ لا تحملانني، وقلتُ بتوسل: * «أنا أعلمُ أنني لا أستحقُّ غفرانكِ، وأن ما فعلتُه ليلةَ العيد لا يمحوه سدادُ ديونٍ ولا إرجاعُ شقة. سأتركُ لكِ الشقةَ، وسأكتبُ لكِ كلَ ما أملكُ في المستقبل، وسأعيشُ تحتَ أقدامكِ خادماً.. فقط اتركيني أعودُ لتربيةِ أولادي، لا تحرميني من ريحتكم». نظرَ إليّ ابني الكبير «أحمد»، ثم نظرَ لأمه.
كان الطفلُ يرى أباه في أضعفِ حالاته، ورغم كلِ ما حدث، حنّ قلبه الصغير، فمسكَ بطرفِ ثوبي ودمعتْ عيناه. أما فاطمة، فقد تنفستْ بصوتٍ طال، ورفعتْ رأسها للسماء، ثم نظرتْ في عيني مباشرةً وقالت: * «البيتُ بيتكَ وبيتي يا محمود، وسأسمحُ لكَ بالعودةِ إليه لتعيشَ مع أولادك، لا بصفتك زوجاً يُتدلل، بل بصفتك أباً يحاولُ ترمیمَ ما كَسَره. لن أطردَك كما طردتَنا في ليلةِ العيد، ولن أجعلكَ تذوقُ قسوةَ السلمِ والشارع؛
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.