قصة توسلت إلي ابنتي ألا اسافر

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

ركزت العدسة. كان أحد الصناديق مفتوحًا جزئيًا. وفي داخله ظهر ما يشبه حامل إضاءة احترافي. ثم صندوق آخر. ثم خلفه كاميرا كبيرة مثبتة على قاعدة متحركة. تجمدت يدي فوق الكاميرا. معدات تصوير. حقيقية هذه المرة. ليست مجرد استنتاج من رسومات مريم. أصبحت أمامي الآن. شعرت بأنفاسي تتباطأ. مريم لم تكن تتخيل. كانت تصف ما رأته فعلًا.

استمر العمال بنقل المعدات إلى الداخل. واستمر الأطفال بالدخول والخروج. ومع مرور الوقت بدأ احتمال جديد يتشكل في ذهني. ربما لم يكن المبنى مهجورًا كما يبدو من الخارج. وربما لم يكن ما يحدث داخله جريمة بالمعنى الذي تخيلته منذ البداية. لكن ذلك لم يفسر لماذا أُخفي الأمر عني وعن زينب. ولا لماذا طُلب من مريم أن تلتزم الصمت.

وفي الحادية عشرة تقريبًا... فُتح الباب مجددًا. وخرجت حماتي. اعتدلت في جلستي فورًا. كانت وحدها. تحدثت مع رجل يقف عند المدخل. ثم أخرجت مغلفًا صغيرًا من حقيبتها وسلمته له. لم أستطع رؤية ما بداخله. بعدها عادت إلى الداخل. رفعت الكاميرا وحاولت التقاط صور أوضح. لكن المسافة كانت بعيدة. فكرت بالاقتراب. كان القرار محفوفًا بالمخاطر. لكن البقاء في مكاني لم يعد كافيًا.

أغلقت الكاميرا. ونزلت من السيارة. تحركت على الرصيف المقابل كأي عابر سبيل. مررت بجانب محل قديم لبيع قطع السيارات. ثم عبرت الشارع ببطء. حتى أصبحت على بعد عشرات الأمتار فقط من المبنى. ومن هناك استطعت السمع لأول مرة. كان الباب يُفتح ويُغلق باستمرار. ومع كل فتحه كانت تصلني أصوات متقطعة. ضحكات أطفال. أحاديث سريعة.

وأسماء. أسماء أطفال يجري مناداتها تباعًا. علي. ثم يوسف. ثم نور. ثم بعد دقائق مريم. توقفت في مكاني. ليس لأن الاسم كان دليلًا على شيء. بل لأنه أكد أن ابنتي ما زالت في الداخل. شعرت بانقباض في صدري. ورغبة جارفة في التوجه نحو الباب فورًا. لكنني أجبرت نفسي على التراجع. عدت إلى السيارة. وأعدت تشغيل الكاميرا. في الثانية عشرة إلا ربعًا تقريبًا. فُتح الباب الأزرق مجددًا. وخرجت مريم.

كانت ترتدي فستانًا مختلفًا. أبيض هذه المرة. وشعرها مرتب بطريقة لم تكن عليها عندما غادرت المنزل. كانت تمشي بجانب رجل في الأربعين تقريبًا. يحمل ملفًا تحت ذراعه وبطاقة تعريف معلقة في عنقه. بدا كأحد العاملين في المكان. خلفهما ظهرت حماتي. كانت تبتسم. ثم انحنت نحو مريم وقالت شيئًا. بعدها أشارت إلى الرجل. وفي تلك اللحظة رفعت الكاميرا. وضغطت زر التصوير. مرة. مرتين. ثلاثًا. عشرات الصور المتتالية. صورة واضحة.

حماتي. ابنتي. وأحد العاملين في المبنى. كلهم في إطار واحد. نظرت إلى الشاشة. وتأكدت أن الصورة التُقطت بوضوح كامل. شعرت بأن شيئًا ما قد تغير. حتى لو اختفى الجميع الآن. حتى لو أغلقوا المبنى وغادروا. أصبح لدي ما يكفي لأواجه أمينة بالحقيقة. وأصبح لدي دليل واضح على أن مريم كانت هنا بالفعل. أخرجت هاتفي واتصلت بزينب.

ردت بسرعة. قلت دون مقدمات حصلت على الصور. سألت بلهفة هل مريم بخير؟ نعم. سمعت زفيرًا طويلًا خرج منها. ثم سألت وماذا اكتشفت؟ نظرت إلى الباب الأزرق. ثم قلت لا أعرف بعد. ساد الصمت بيننا. ثم قالت إذن ماذا ستفعل؟ كان الباب لا يزال مفتوحًا جزئيًا. وأحد العاملين خرج للتدخين قرب المدخل. في تلك اللحظة خطرت لي فكرة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة