مفاجأة لامي

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

وافقتُ يا بني، كنتِ واثقة فيها.. بنتي الكبرى، كنتِ فاكرة إنها بتحميني وتخاف عليّ. سكتت للحظة، وتنهدت بۏجع عميق، ثم استكملت أول شهر، جابت لي قليل من الخضار والخبز، وقالت الفلوس لسه مجهزة. تاني شهر، قالت الأسعار غالية ومصاريف البيت كتير، ومش عايزة تثقل عليكِ. ومع الوقت، بدأت تقلّ أكتر وأكتر. كنتِ أقول لها يا منى، أنا بنتك مش غريبة، خاېفة عليّ أمرض وأحتاج علاج.

كانت ترد عليا بكل وقاحة تعالي عندي يبقى، عندي أكل وشرب وراحة، بس بلاش تيجي تقولي لأحمد حاجة، هو مش هيتحمل وممكن يقطعنا عيشنا كلنا. قلبي اتقطع مع كل كلمة تقولها يعني كانت تهددكِ إنك متقوليش لي حاجة؟ كانت تعاقبكِ عشان ما أكتشف الحقيقة؟ كانت تقول لي إنك مش فاضي، وإنني عبء عليكِ، وإن لو عرفت هتتركني ومش هتبعت ولا مليم تاني. كنتِ خاېفة يا ابني.. خاېفة أتوه وأبقى وحيدة. فسكتّ..

سكتّ سنتين كاملين، وأنا جوايا بڼار كل ما أشوف نفسي محتاجة حاجة ومش معايا ثمنها. قمتُ وقفت، وقلبي يخفق بقوة لا تصدق. سنتين.. سنتين وأنا في الغربة، أجتهد وأعمل ساعات طويلة كل يوم، أحرم نفسي من أشياء كثيرة عشان أضمن لها حياة كريمة، والفلوس تذهب لمنى لتعيش بها هي ومن حولها حياة مترفة، وأمي تتضور جوعاً وتعيش في بيت مهترئ بلا أدنى مقومات الحياة الكريمة!

نظرتُ حولي في الغرفة الصغيرة السرير القديم المرقع، النافذة المکسورة التي يسقط منها المطر والبرد، الموقد الذي لا يعمل إلا بشق الأنفس. دموعي سقطت رغماً عني، لا حزناً بل غضباً.. غضباً على نفسي أولاً، لأنني لم أكن هنا لأحميها، وثانياً على تلك الأخت التي خانّت أمانة لم يكن من حقها أن تحملها أصلاً. مش هيسكت عن ده يا أمي.. مش هيسكت.

كل مليم أخذته هيرجعلكِ، وحقك اللي اتسرق منكِ سنتين كاملين هيرجع.. حتى لو كان الثمن علاقتي ببنت عمري كنتِ بحبها وبتمنى لها الخير. الجزء الثالث المواجهة التي لم تتوقعها في اليوم التالي، ذهبتُ لبيت منى. وقفتُ أمام الباب الفخم الذي اشتراه من فلوس أمي المسروقة، وشعرتُ بالڠضب يتصاعد في صدري بلا هوادة. خبطتُ على الباب بقوة، وفتحت لي بابتسامة واثقة أحمد!

جيت امتى؟ مبروك العودة يا سيدي، تعالى ادخل، لسه كنتِ أفكر أكلمكِ أسألك وصلت ولا لا! دخلتُ، ورأيتُ بأم عيني ما فعلته بفلوسنا أثاث فاخر، تلفاز ضخم، أجهزة حديثة في كل ركن، وطفلها يلعب بألعاب باهظة الثمن على الأرض. جلستُ على الكنبة دون أن أنزع معطفي، وقلتُ ببرود لم أتخيل أنني أمتلكه بيت جميل يا منى.. أكيد الإيجار بتاعه غالي، ولا الحاجات دي كلها هدية من السماء؟

تغيرت ملامح وجهها قليلاً، لكنها حاولت أن تظل هادئة إيه يا أخي، جاي بلهجة غريبة؟ الحمد لله، شغلي ساعدني، وزوجي بيجيب ربنا، الحمد لله على كل حال. والحمد لله.. بس الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، مش الحمد لله على أكل أمك وأنتِ تعيشين في رغد وهي تشحت كيلو رز من دكان الحارة! صُعقت، واتسعت عيناها مين اللي قاللك الكلام الفارغ ده؟

هي أمك بتكبر الموضوع، هي بتمشي على الناس وتقول كلام مش صحيح عشان تشفقهم عليها! وقفتُ پغضب، ورفعت صوتي لأول مرة في حياتي معها تكبر الموضوع؟! جسمها هزيل بالكامل، بيتها مهدد بالسقوط، ديونها تملأ دفتر الحارة، وأنتِ هنا تعيشين كالملكات! سنتين يا منى.. سنتين وأنا كل شهر أحول لكِ ثمانية آلاف جنيه، لم أطلب منكِ حساباً قط، لأنني كنتِ أثق بكِ.. وأنتِ خنتِ ثقتي وخنتِ أمانة أمك التي ربّتنا على الصدق والأمانة!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
931مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة