عمي منصور بص لمراته الست فوزية، وبان على وشه الڠضب اللي كان بيكتمه سنين وإنتي يا أم أحمد، من امتى وإحنا بنعاير واحدة بمرتبها ولا بنقول على تعبها ملاليم؟ مش دي اللي لما كان ابنك بيزنق في قسط العربية في أول جوازهم كانت بتفك دهبها وتديهوله من سكات؟ مش دي اللي كانت بتجيلك المستشفى لما كان عندك المرارة تفضل سهرانة تحت رجلك تغيرلك وتنقيلك العلاج وبناتك الاتنين نايمين في بيوتهم؟
بقى ده جزاتها؟! الست فوزية بلعت ريقها وبصت في السقف، ولأول مرة ملقيتش رد ولا عرفت تعمل مناحة، عشان عمي منصور مكنش من النوع اللي يظلم، ولما بيتكلم بجد الكل بيسكت. في اللحظة دي، سمعت صوت حركة في الصالة، يوسف كان صحي. خرج من تحت البطانية اللي كانت مكوّمة على الكنبة، وشه كان شاحب وعينيه منفوخة من كتر العياط. مشي بالراحة، خطوة ورا خطوة، وعينه عليا. كان لابس الترنج بتاعه بالمقلوب، ورجليه حافية سقعانة.
وقف قدام الكرسي اللي أنا قاعدة عليه، وشفته بدأت ترتعش ماما... فضلت باصة له بهدوء، محاولتش أفتك ولا أقوم أحضنه زي زمان. كان لازم يتعلم الدرس، وكان لازم يعرف إن الأم مش حيطة مايلة تتشتم وتتهان وتفضل فاتحة حضنها كأن مفيش كرامة. نعم يا يوسف. دموعه نزلت على خدوده، ومسحها بكم الترنج أنا آسف... والله العظيم آسف يا ماما.
بابا وتيتا قالولي متزعلش منها دي بتزعق وخلاص، بس أنا النهاردة مروحتش المدرسة عشان معرفتش ألبس، وبابا فضل يزعقلي ويقولي مش عارف أعملك حاجة، وبطني وجعتني من الأكل اللي جابه، والبيت وحش أوي من غيرك.. متسيبنيش يا ماما، أنا مش قليل الأدب والله. نزل على ركبه ومسك في بنطلوني، وډفن وشه في رجلي وهو بيعيط بحړقة حقيقية، عياط طفل حس إن الأمان الوحيد اللي في حياته كان هيضيع عشان سمع كلام غلط وضيع احترامه لأكتر إنسانة بتحبه في الدنيا.
نزلت لمستواه، حطيت إيدي تحت دقنه ورفعت وشه يوسف، تبص في عيني وتركز في اللي هقولهولك. أنا أمك، اللي شيلتك وسهرت بيك وتعبت عشانك، الكلام اللي قولته أول إمبارح ميتكررش تاني في حياتك، لا معايا ولا مع أي حد، مفهوم؟ اللي يقلل من أمه مبيكونش راجل، وميستاهلش إن حد يشيله ولا يحترمه. عيلتك وبابا وتيتا تحترمهم على عيني وراسي، بس أمك خط أحمر، لو دست عليه.
.. مش هتلاقي الحضن ده تاني، فاهم يا يوسف؟ الولد هز راسه پهستيريا وهو بيعيط فاهم يا ماما، فاهم والله، مش هقول كدة تاني أبداً. ساعتها بس أخدته في حضڼي، وطبطبت على ضهره، ومسحت دموعه. رفعت راسي وبصيت لأحمد اللي كان واقف باصص للأرض وعينيه بتلمع بدموع مکسورة، وبصيت لحماتي اللي مكنتش عارفة تحط وشها فين. طلعت تليفوني من الشنطة، وفتحت الإيميل، وبصيت في الشاشة، كان الأوفر بتاع الشركة وصلني من نص ساعة؛
عرض رسمي بمنصب Senior Solutions Architect، بمرتب خيالي مكنتش أحلم بنصه، ومعاه تأمين صحي برايفت ليّا ولابني، وبونص سنوي محترم، وتلات أيام شغل من البيت ويومين بس في مقر الشركة بالمعادي. حطيت التليفون قدام أحمد على السفرة اقرا يا بشمهندس. أحمد مد إيده بتردد ومسك الموبايل. عينيه وسعت أول ما شاف اللوجو بتاع الشركة العالمية، ولما نزل لتحت وقرا المسمى الوظيفي والرقم اللي مكتوب جنب خانة الراتب الصافي، شفايفه اتفتحت ومقدرش ينطق حرف.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.