وصلت المبنى في التجمع الساعة حداشر إلا ربع. طلعت للدور الرابع. يافطة رخام كبيرة محفور عليها بحروف دهب: «شركة فيرتكس لإدارة الأصول والاستشارات المالية». فتحت الباب ودخلت. كان في قاعة اجتماعات كبيرة بقزاز شفاف عاكس، شوفت أحمد قاعد على راس الترابيزة الكبيرة، فارود ضهره، وحاطط اللاب توب قدامه وبيشاور بإيده بثقة فظيعة لراجلين قاعدين، وشريف بيه والد نسمة قاعد على يمينه بهدوء مريب وهو بيولع سېجار، ونسمة قاعدة على شماله لابسة نضارة شمس شيك ومكتفة إيديها وسكتة تماماً.
أحمد كان بيتكلم بصوته الأجش اللي بيمثل بيه الرزانة: — «زي ما وضحت لحضرتك يا شريف بيه، التمويل الأولي ده هيتوزع على محفظة سندات خزانة قصيرة الأجل بفايدة 24%، والباقي هندخل بيه في عقارات تجارية في العاصمة. إحنا كده بنضمن سيولة وأمان للشركة في أول ست شهور...» في اللحظة دي، مديت إيدي، وزقيت باب قاعة الاجتماعات القزاز، ودخلت بخطوات كعبي كان بيعمل صوت رنان على الرخام.
الباب عمل صوت، والكل الټفت. أحمد أول ما شافني، وشه اتجمد. الجملة وقفت في زوره، وعينيه برقت بړعب كأنه شاف عفريت طالعله من تحت الأرض. الماوس وقع من إيده وخبط في اللاب توب. اتنطر من على الكرسي كأنه اتكهرب: — «داليا؟! أنتي... أنتي بتعملي إيه هنا؟! وجيتي إزاي اصلاً؟!» وقفت في نص القاعة، حطيت الدوسيه الجلد الأسود على الترابيزة قدامه، وبصيتله منالليلة دي كانت أطول ليلة عدت عليا في حياتي كلها.
نسمة مشيت من الكافيه وهي متغيرة تماماً؛ البنت الساذجة اللي بتجري ورا أحلام الفساتين والفرح اتبخرت، وظهرت مكانها واحدة تانية عنيها بتطق شرار، مصډومة في كرامتها وعيلتها، ومستعدة تولع في الدنيا عشان تغسل العاړ ده قبل ما يمس سمعة أبوها. وصلت بيت نسمة في مصر الجديدة على الساعة تسعة بالليل.
فيلا قديمة بطابع فخم، وجواها راجل وقور في أواخر الستينات، الأستاذ شريف عبد الرحمن، رجل أعمال قديم وشعره أبيض كله، وقاعد وراه محامي العيلة، أستاذ فريد. أول ما نسمة حطت الأوراق قدام أبوها وفتحت الاسبيكر على التسجيلات اللي معايا، الراجل وشه احمرّ وعروق رقبته نفرت، وفضل يدوس على سنانه بغيظ مكتوم: — «الحيوان ده... النصاب الصعلوك ده كان بيخطط يلهف الترخيص بتاعي ويورط اسمي في غسيل وتوظيف أموال بعد ما يشفط سيولتك وسيولة بنتي؟
!» المحامي فريد اتدخل بهدوء الصياد العجوز: — «اهدا يا شريف بيه، العصبية مش هتفيدنا. ربنا بيحبك وبيحب مدام داليا إن المستندات دي كلها بانت قبل ما عقود الجمعية العمومية والشهر العقاري تتوثق بكرة الضهر. إحنا قانوناً ماسكينه من إيده اللي بتوجعه.» بصيت لأستاذ فريد وقولت بثبات: — «أنا مش عايزه يتحبس بس يا متر... الحبس لوحده مبيبردش الڼار ومبيرجعش الشقا.
أنا عايزة حقي يرجع كامل مكمل، شقتي تتفك من الرهن، والفلوس اللي اتسحبت ترجع بفوائدها، وتمن السنين دي يتدفع كاش.» أستاذ فريد ابتسم ابتسامة خبيثة: — «سيبيهالي دي يا مدام داليا. الباشا كاتب إقرارات استلام نقدية وشيكات ضمان مبدئية لشريف بيه بخصوص الحصص الاستثمارية بتاعة الشركة، وكاتب على نفسه كمبيالات بنكية مغلظة عشان يثبت حسن نيته. إحنا هنقلب الطاولة عليه في ثانية واحدة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.